" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
والإنسان يكتسب المعلومات، إما برؤية العين، أو بسماع الأذن، ومعلوم أن رقعة السمع أوسع من البصر لأنك لا ترى إلا ما تراه عيناك، لكن تسمع لمرائي الآخرين، ثم أنت تسمع وترى موجودا، لكن هناك ما لا يخطر على قلب بشر يعني: أشياء غيبية لم تطرأ على بال أحد، وفي ذلك يقول سبحانه:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون
[السجدة: 17]. وقد ورد في أسباب نزول مفاتح الغيب هذه، أن رجلا من محارب، اسمه الحارث بن عمرو بن حارثة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أريد أن أعرف متى الساعة، وقد بذرت بذري، وأنتظر المطر فمتى ينزل؟ وامرأتي حامل، وأريد أن تلد ذكرا، وقد أعددت لليوم عدته، فماذا أعد لغد؟ وقد عرفت موقع حياتي، فكيف أعرف موقع مماتي؟ هذه خمس مسائل مخصوصة جاء بها الجواب من عند الله تعالى { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت.
. } [لقمان: 34]. وعجيب أن نرى من خلق الله من يحاول أن يستدرك على مقولة الله في هذه الغيبيات الخمس، كالذين حاولوا أن يتنبأوا بموعد قيام الساعة، وقد كذبوا جميعا، ولو قدر لهم الإيمان بالله، والعلم بما قاله الله في قيام الساعة ما تجرأ منهم أحد على هذه المسألة. وقلنا: إن الحق سبحانه أخفى موعد الساعة لكي نستشعرها دائما، وفي كل وقت، حتى الذين لا يؤمنون بها ويشكون فيها، وإذا ما استشعرها الناس عملوا لها، واستعدوا لأهوالها، كما أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ومكان أجله، وجعل الموت يدور على العباد على غير قاعدة. فمنهم من يموت بعد دقائق من مولده، ومنهم من يعمر مئات السنين، كما أنه سبحانه لم يجعل للموت مقدمات من مرض أو غيره، فكم من مريض يعافى، وصحيح يموت، كما يقولون: كيف مريضكم؟ قال: سليمنا مات، وصدق القائل:
فلا تحسب السقم كأس الممات
وإن كان سقما شديد الأثر
فرب عليل تراه استفاق
ورب سليم تراه استتر
كذلك الموت لا يرتبط بالسن:
كم بودرت غادة كعاب
وغودرت أمها العجوز
يجوز أن تبطئ المنايا
والخلد في الدهر لا يجوز
إذن: أخفى الله القيامة وأخفى الموت لنظل على ذكر له نتوقعه في كل لحظة، فنعمل له، ولنتوقع دائما أننا سنلقى الله، فنعد للأمر عدته لأن من مات فقد قامت قيامته لأنه انقطع عمله، ففي إبهام موعد القيامة وساعة الموت عين البيان لكل منهما، فالإبهام أشاعه في كل وقت. وقوله: ﴿ وينزل الغيث.. ﴾ [لقمان: 34] وهذا أيضا، ومع تقدم العلوم حاول البعض التنبؤ به بناء على حسابات دقيقة لسرعة الرياح ودرجة الحرارة.. إلخ، وربما صحت حساباتهم، لكن فاتهم أن الله أقدارا في الكون تحدث ولا تدخل في حساباتهم، فكثيرا ما نفاجأ بتغير درجة الحرارة أو اتجاه الريح، فتنقلب كل حساباتنا. لذلك من عجائب الخلق أنك كلما اقتربت من الشمس وهي مصدر الحرارة تقل درجة الحرارة، وكلما ابتعدت عنها زادت درجة الحرارة، إذن: المسألة ليست روتينية، إنما هي قدرة لله سبحانه، والله يجمع لك الأسباب ليثبت لك طلاقة قدرته التي تقول للشيء: كن فيكون. ألسنا نؤمر في الحج بأن نقبل حجرا ونرمي آخر، وكل منهما إيمان وطاعة، هذا يباس وهذا يداس، هذا يقبل وهذا يقنبل، لماذا؟ لأن الله تعالى يريد منا الالتزام بأمره، وانصياع النفس المؤمنة للرب الذي أحيا، والرب الذي كلف. وقوله تعالى: ﴿ ويعلم ما في الأرحام.. ﴾ [لقمان: 34] هذه أيضا من مفاتح الغيب، وستظل كذلك مهما تقدمت العلوم، ومها ادعى الخلق أنهم يعلمون ما في الأرحام، والذي أحدث إشكالا في هذه المسألة الآن الأجهزة الحديثة التي استطاعوا بها رؤية الجنين، وتحديد نوعه أذكر أم أنثى، فهذه الخطوة العلمية أحدثت بلبلة عند بعض الناس، فتوهموا أن الأطباء يعلمون ما في الأرحام، وبناء عليه ظنوا أن هذه المسألة لم تعد من مفاتح الغيب التي استأثر الله بها.