31.12
الحق سبحانه آتانا قبل أن يخلقنا، وآتانا بعد أن خلقنا بالمنهج ثم والى إلينا بمواكب الرسالات التي تحمل إلى كل بيئة المنهج الذي يناسبها، وقبل أن يخرج آدم عليه السلام لتحمل عبء هذه الخلافة أعطى الله له تجربة، هذه التجربة مفادها أن يحافظ على منهج ربه في افعل و لا تفعل وأن يحذر كيد الشيطان. وقد مر آدم بهذه التجربة البيانية قبل أن يجتبيه الله للنبوة وكثيرون يظنون أن عصيان آدم جاء بعد أن كلف بالنبوة فيقولون: كيف يعصي آدم ربه، وهو نبي والنبي معصوم؟ ونقول: نعم، عصى آدم ربه، لكن قبل النبوة، وهو ما يزال بشرا عاديا لذلك قال سبحانه في حقه:
وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 121-122]. إذن: جاء الاجتباء بعد المعصية، فإن قلت: فما الداعي للعصيان يصدر من آدم، وهو يعد للنبوة؟ قالوا: لأنه أبو البشر، والبشر قسمان: بشر معصومون، وهم الأنبياء، وبشر ليست لهم عصمة وهم عامة الناس غير الأنبياء، ولا بد لآدم أن يمثل النوعين لأنه أبو الجميع، فمثل البشر عامة حين وقع في المعصية، ومثل الأنبياء حين اجتباه ربه وتاب عليه، فجمع بذلك بين الملحظين. هنا يقول سبحانه: ﴿ ولقد آتينا.. ﴾ [لقمان: 12] والإيتاء يطلق على الوحي مع الفارق بينهما، فإن أطلق الوحي فإنه ينصرف إلى الوحي للرسول بمنهج من الله، ويعرف الوحي عامة بأنه إعلام بخفاء. ومن ذلك قوله تعالى في الوحي للملائكة:
إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا..
[الأنفال: 12]. ويوحي للبشر، قال تعالى:
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه..
[القصص: 7]. ويوحي للحيوان
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا..
[النحل: 68]. ومن ذلك أيضا يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من شياطين الإنس أو الجن:
وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم..
[الأنعام: 121]. كذلك يوحي الله إلى أهل الخير من أتباع الرسل:
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي..
[المائدة: 111]. هذا في المعنى اللغوي للوحي وهو: إعلام بخفاء، فإن قصدت الوحي الشرعي الاصطلاحي: فهو إعلام من الله لرسوله بمنهجه. وهذا التعريف يخرج كل الأنواع السابقة. والحق سبحانه عبر عن الإيتاء العام بقوله:
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء..
[الشورى: 51]. والإيتاء يقصد به الإلهام، ويكون حين تتوفر للإنسان آلة استقبال سليمة صالحة لاستقبال الإلهام والخاطر من الحق سبحانه وتعالى، وآلة الاستقبال لا تصلح للاستقبال عن الله تعالى إلا إذا كانت على مواصفات الخالق سبحانه صانعها ومبدعها، كما يلتقط الراديو أو التليفزيون الإرسال، فإن انقطع عنك الإرسال فاعلم أن جهاز استقبالك به عطب، أما الإرسال فموجود لا ينقطع، ولله تعالى المثل الأعلى.
وله سبحانه إرسال دائم إلى عباده، لا يلتقطه إلا من صفت آلة استقباله، وصلحت للتلقي عن الله، وهذه الآلة لا تصلح إلا إذا كانت على المنهج في افعل ولا تفعل، لا تصلح إذا تكونت من الحرام وتغذت به لأن الحرام يفسد كيماوية الفطرة التي خلقها الله في عباده يوم أن أخذ عليهم العهد:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى..
[الأعراف: 172]. فهذه الذرية لو ظلت على حالها من الصفاء يوم كانت في ظهر آدم ويوم أخذ الله عليها العهد، ولو التزمت منهج ربها في افعل و لا تفعل لكانت أهلا لإلهام الله لأن آلة استقبالها عن الله سليمة. وتأمل في وحي الله إلى أم موسى:
أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني..
[القصص: 7]. فأي آلة استقبال هذه التي استقبلت هذا الأمر ونفذته دون أن تناقشه، واطمأنت إليه قبل أن تفكر فيه؟ وكيف تقتنع الأم أن الموت المحقق ينجي وليدها من موت مظنون؟ لذلك نقول: إذا صادف الإلهام آلة استقبال سليمة فإنه لا يوجد في النفس ما يصادره، ولا ما يبحث عن دليل، فقامت أم موسى ونفذت الأمر كما ألقي إليها، هذا هو الإيتاء. ومنه أيضا قوله تعالى: