تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31.6

بعد أن ذكر الحق سبحانه الكتاب وآياته، وأن فيه هدى ورحمة لمن اتبعه وفلاحا لمن سار على هديه يبين لنا أن هناك نوعا آخر من الناس ينتفعون بالضلال ويستفيدون منه، وإلا ما راجت سوقه، ولما انتشر بين الناس أشكالا وألوانا. لذلك نرى للضلال فئة مخصوصة حظهم أن يستمر وأن ينتشر لتظل مكاسبهم، ولتظل لهم سيادتهم على الخلق وعبوديتهم لهم واستنزاف خيراتهم. وطبيعي إن وجد قانون يعيد توازن الصلاح للمجتمع لا يقف في وجهه إلا هؤلاء يحاربونه ويحاربون أهله ويتهمونهم ويشككون في نواياهم، بل ويواجهونهم بالسخرية والاستهزاء مرة وبالتعدي مرة أخرى. وربما قطعوا عليهم سبل الحياة، كما عزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب، ثم يكرهون أهل الحق على الهجرة والخروج من أموالهم وأهلهم إلى الحبشة مرة، وإلى المدينة مرة أخرى، لماذا؟ لأن حياتهم تقوم على هذا الضلال فلا بد أن يحافظوا عليه. والحق سبحانه يبين لنا أن هؤلاء الذين يحاربون الحق ويقفون في وجه الدعوة إلى الإيمان يعرفون تماما أنهم لو تركوا الناس يسمعون منهج الله وداعي الخير لا بد أن يميلوا إليه لذلك يحولون بين آذان الناس ومنطق الحق، فهم الذين قالوا للناس:

لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه..

[فصلت: 26]. وما ذلك إلا لأنهم واثقون من لغة القرآن وجمال أسلوبه، واستمالته للقلوب بحلو بيانه، فلو سمعته الأذن العربية لا بد وأن تتأثر به، وتقف على وجوه إعجازه، وتنتهي إلى الإيمان. فإذا ما أفلت منهم أحد، وانصرف إلى سماع الحق أتوه بصوارف أخرى وأصوات تصرفه عن الحق إلى الباطل. وقوله سبحانه: ﴿ ومن الناس ﴾ [لقمان: 6] من هنا للتبعيض أي: الناس المستفيدون من الضلال، والذين يسؤوهم أن يأتم الناس جميعا بمنطق واحد، وهدف واحد وهدى واحد لأن هذه الوحدة تقضي على تميزهم وجبروتهم وظلمهم في الأرض لذلك يبذلون قصارى جهدهم في الضلال ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله.. ﴾ [لقمان: 6] قوله تعالى: ﴿ يشتري ﴾ [لقمان: 6] من الشراء الذي يقابله البيع، والشراء أن تدفع ثمنا وتأخذ في مقابله مثمنا، وهذا بعدما وجد النقد، لكن قبل وجود النقد كان الناس يتعاملون بالمقايضة والتبادل سلعة بسلعة، وفي هذه الحالة فكل سلعة مباعة وكل سلعة مشتراة، وكل منهما بائع ومشتر. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:

وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين

[يوسف: 20]. والمعنى: شروه أي: باعوه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:

ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله..

[البقرة: 207]. أي: يبيعها، إذن: الفعل شرى يأتي بمعنى البيع، وبمعنى الشراء.

أما إذا جاء الفعل بصيغة اشترى فإنه يدل على الشراء الذي يدفع له ثمن، ومن ذلك قوله تعالى:

وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا..

[آل عمران: 199]. وقوله تعالى:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة

[التوبة: 111]. وعادة تدخل الباء على المتروك تقول: اشتريت كذا بكذا وحين نتأمل قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ [لقمان: 6] نجد أن هذه عملية تحتاج إلى طلب للشيء المشترى، ثم إلى ثمن يدفع فيه، وليت الشراء لشيء مفيد إنما ﴿ لهو الحديث ﴾ [لقمان: 6] وهذه سلعة خسيسة. إذن: هؤلاء الذين يريدون أن يصدوا عن سبيل الله تحملوا مشقة الطلب، وتحملوا غرم الثمن، ثم وصفوا بالخيبة لأنهم رضوا بسلعة خسيسة، والأدهى من ذلك والأمر منه أن يضعوا هذا في مقابل الحق الذي جاءهم من عند الله على يد رسوله بلا تعب وبلا مشقة وبلا ثمن، جاءهم فضلا من عند الله وتكرما:

قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥١٠