تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا..

[يونس: 5]. وفي موضع آخر قال سبحانه:

تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا

[الفرقان: 61] فالضياء للشمس فيه نور وحرارة، على خلاف نور القمر الذي يناسب حالما لا حرارة فيه. ومن عجائب أمر القمر أننا كنا نحسبه قطعة من اللؤلؤ مضيئة في السماء، حتى إن الشعراء درجوا على تشبيه المحبوبة بالقمر، ولو عرفوا حقيقة القمر التي عرفناها نحن اليوم ما صح منهم هذا التشبيه، فقد أطلعنا العلم أن القمر ما هو إلا حجارة وجسم معتم لا يضيء بذاته، إنما يعكس فقط ضوء الشمس لذلك لما شبه أحد الشعراء محبوبته بالقمر أنكرت عليه هذا الشبه:

شبهتها بالبدر فاستضحكت

وقابلت قولي بالنكر

أي: تكلفت الضحك.

وسفهت قولي وقالت متى

سمجت حتى صرت كالبدر

ولك أن تسأل فمن أين عرفت سماجة البدر، وأنه حجارة لا جمال فيها؟ تجيب هي حين تقول:

البدر لا يرنو بعين كما

أرنو ولا يبسم عن ثغر

ولا يميط المرط عن ناهد

ولا يشد العقد في نحر

من قاس بالبدر صفائي فلا

زال أسيرا في يدي هجري

إذن: فحقيقة القمر التي عرفناها أخيرا آية من آيات الله الظاهرة والباطنة في الكون أطلعنا الله عليها بسلطان العلم، فلما تيسر للبشر الصعود إلى سطحه عرفنا أنه جسم معتم، وصخور لا تنير بذاتها، إنما تعكس أشعة الشمس، فتصل إلينا هادئة حالمة، وكأن القمر كما يقولون: يصنع من الفسيخ شربات. ومن حكمة الخالق سبحانه في خلق الشمس والقمر أن تكون الشمس ميزانا لمعرفة اليوم، والقمر لمعرفة الشهر، وهو الأصل في التكليفات، لأن له شكلا مميزا في أول الشهر على خلاف الشمس لذلك يقول سبحانه:

هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب..

[يونس: 5]. وتتجلى عظمة التكليف الإلهي وارتباطه بالقمر في فريضة الحج مثلا، بحيث يتنقل موعد الحج على مدار العام كله، فمرة يأتي في الصيف، وأخرى في الشتاء.. إلخ مما ييسر للحجاج ما يناسب كلا منهم من الجو الملائم، ويقطع الأعذار في التخلف عن أداء هذه الفريضة. إذن: بالتوقيت القمري يأتي الحج في كل أوقات السنة لذلك قال البعض: إن ليلة القدر دائرة في العام كله إذا ما قارنا التوقيت الشمسي بالتوقيت القمري، فإن اتفقنا على أن ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان، فإنها ستوافق أول يناير مثلا، وفي العام التالي توافق الثاني، ثم الثالث وهكذا.. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده.. ثم يقول سبحانه: ﴿ وأن الله بما تعملون خبير ﴾ [لقمان: 29] وما دام أنه سبحانه خبير بما تعملون، فهو الذي يهييء لكم صلاح العمل بخبرته وحكمته وقدرته وقيوميته لذلك شرع لكم الأعمال التي تنظم حركة حياتكم وحركة عبادتكم لذلك نجد رمضان مثلا يدخل بالليل فنقول هذه الليلة من رمضان، أما يوم عرفة فيدخل بيومه لأنه يوم مجموع له الناس. وقوله: ﴿ وأن الله بما تعملون خبير ﴾ [لقمان: 29] معطوفة على ﴿ ألم تر أن الله يولج.. ﴾ [لقمان: 29] فالتقدير: وألم تر أن الله بما تعملون خبير. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلك بأن الله هو الحق... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٦٤