وجعلنا اليل والنهار آيتين..
[الإسراء: 12]. ويقول:
وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا
[الفرقان: 62] ومعنى خلفة يعني: يخالف أحدهما الآخر ويأتي بعده، وهذا صحيح الآن، فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن كيف نتصور هذه المسألة في بدء الخلق؟ لو أن البداية كانت بخلق الأرض مواجهة للشمس، فالنهار إذن أولا ليس خلفة لشيء قبله، ثم تغيب الشمس فينشأ الليل ليكون خلفة للنهار، وفي المقابل إن وجدت الأرض غير مقابلة للشمس، فالليل هو الأول ليس خلفة لشيء قبله. إذن: لا يحل لنا هذه المسألة إلا قوله تعالى:
وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة..
[الفرقان: 62] أي: من بداية الخلق وهما خلفة، وهذا لا يتأتى ولا يسوغ إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث يكون الجزء المقابل للشمس منها مكونا للنهار، والجزء الآخر لليل في وقت واحد، فلما تحركت الأرض في دورانها صار كل منها خلفة للآخر، إذن: معطيات القرآن يهضمها العقل، ولا يعارضها أبدا.
تذكرون في الثلاثينيات وبالتحديد عام 1928 فسروا السماوات السبع بأنها الكواكب السبعة السيارة التي تدور حول الشمس، ذلك ليقربوا العلم للناس، ويشاء الله - سبحانه وتعالى - أن يكتشفوا بعدها نبتون ثم بلوتو فصاروا تسعة كواكب، وأظهر الله لهم فساد هذا التأويل. وفي الكون عجائب كثيرة نعرفها حتى عن طريق الكفار، وكأن الله سخر حتى الكافر ليثبت إيمان المؤمن، فإذا كنا قد عرفنا اليوم عندنا على الأرض، وأنه ليل ونهار يكونان أربعا وعشرين ساعة، فماذا يعني اليوم بالنسبة للكواكب الأخرى؟ لما عرفوا أفلاك الكواكب الأخرى التي تدور حول الشمس وجدوا أقربها للشمس عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، ثم نبتون، ثم بلوتو، وهو أبعد الكواكب عن الشمس. ومن عجائب اليوم في هذه الكواكب أن يوم الزهرة مثلا 244 يوما بيومنا نحن، أما العام فيساوي 225 يوما بيومنا، فكأن يوم الزهرة أطول من عامها، كيف؟ قالوا: لأن المدار مختلف عن مدار الأرض، فاليوم نتيجة دورة الكوكب حول نفسه، والعام نتيجة دورة الكوكب حول الشمس. وقوله تعالى: ﴿ وسخر الشمس والقمر.. ﴾ [لقمان: 29] ولك أن تلحظ دقة الأداء القرآني في الانتقال من الفعل المضارع ﴿ يولج.. ﴾ [لقمان: 29] إلى الماضي ﴿ سخر.. ﴾ [لقمان: 29] ففي الكلام عن حركة الليل والنهار قال ﴿ يولج.. ﴾ [لقمان: 29] ولما تكلم عن الشمس والقمر قال: ﴿ سخر.. ﴾ [لقمان: 29] لماذا؟ قالوا: لأن التسخير تم مرة واحدة، ثم استقر على ذلك، أما إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل فأمر مستمر يتكرر كل يوم، فناسبه المضارع الدال على التكرار. وقوله تعالى: ﴿ كل يجري إلى أجل مسمى.. ﴾ [لقمان: 29] أي: إلى غاية محدودة لذلك نسمي العمر النهائي: الأجل. والمراد بالأجل المسمى يوم القيامة، فكأن الخالق سبحانه ضمن لنا استمرار الشمس والقمر إلى قيام الساعة، فاطمئنوا. ثم أي عظمة هذه في كوكب مضيء ينير العالم كله منذ خلقه الله وإلى قيام الساعة، دون صيانة ودون قطعة غيار ذلك لأنه مبني على التسخير القهري الذي يمنع الاختيار، فليس للشمس أن تمتنع عن الشروق وكذلك القمر، ومن العظمة في الألوهية هذه الرحمانية الرحيمة التي تحتضن الجميع المؤمن بها والكافر. وفي هذه الآية ورد التعبير بلفظ ﴿ إلى أجل مسمى.. ﴾ [لقمان: 29] وفي مواضع أخرى ورد بلفظ
لأجل مسمى..
[الرعد: 2] باللام بدلا من إلى، وكذلك في سورتي فاطر 13 والزمر 5، ولكل من الحرفين معنى ﴿ إلى أجل.. ﴾ [لقمان: 29] تعطينا الصورة لمشية الشمس والقمر قبل وصولهما الأجل، إنما
لأجل مسمى..
[فاطر: 13] أي: الوصول المباشر للأجل.
وكما أن لليل مهمة وللنهار مهمة، كذلك للشمس مهمة، وللقمر مهمة بينها الله في قوله: