تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كنت أنت أيها العبد تنفعل لك جوارحك وأعضاؤك بمرادك في الأشياء، فهل تستبعد في حق الله أن يفعل بكلمة كن؟ كيف وأنت ذاتك تفعل بدون أن تقولها؟ مجرد الإرادة منك تفعل ما تريد. فإن قلت: كيف يفعل الحق سبحانه بكلمة كن، وأنا أفعل بدون أن أقولها؟ نقول: نعم أنت تفعل بدون كن لأن الأشياء ليست منفعلة لك أنت، إنما هي مسخرة بكن الأولى حين قال الله لها كوني مسخرة لإرادته، إذن: أنا أفعل بدون كن لأنها ليست في مقدوري أنا، فكأن كن الأولى من الله تعالى هي كن لنا جميعا. وبهذا الفهم استطعنا تفسير حادثة الإسراء والمعراج، واستطعنا الرد على منكريها، فالله يقول:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى..

[الإسراء: 1]. فلما سمع الكفار بالحادثة أنكروها وقالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ نعم أنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهرا لأن فعلكم يحتاج إلى زمن ومزاولة نوزع فيها جزئيات الفعل على جزئيات الزمن، أما محمد فلم يقل سريت، فيكون في الفعل كأحدكم إنما قال: أسري بي. إذن: فهو محمول على قدرة أخرى، فالفعل لا ينسب إليه إنما إلى حامله إلى الله، وقلنا: كلما زادت القوة قل الزمن، فإذا كانت القوة قوة الحق - تبارك وتعالى - فلا زمن لذلك يقول سبحانه في مسألة الخلق والإعادة: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة.. ﴾ [لقمان: 28]. فالأمر يسير على الله لأن خلق النفس الواحدة وخلق جميع الأنفس يتم بكن، فالمسألة لا تحتاج إلى تسعة أو ستة أشهر. وضربنا مثلا لتوضيح هذه المسألة بصناعة الزبادي مثلا، فأنت تأتي باللبن وتضع عليه المادة المعروفة وتتركه في درجة حرارة معينة فيتحول تلقائيا إلى الزبادي الذي تريده، فهل جلست أمام كل علبة تحولها بنفسك، أم أنك عملت العملية المعروفة في هذه الصناعة، ثم تركت هذه المواد تتفاعل بذاتها؟ كذلك شاء الله تعالى أن يوجد الإنسان جنينا في بطن أمه، وأن تجري عليه أمور النمو بطبيعتها، إذن: خلق الإنسان لا يقاس بالنسبة لله تعالى بالزمن، وقد حل لنا الإمام علي كرم الله وجهه هذه القضية حينما سئل: كيف يحاسب الله الناس جميعا من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة في وقت واحد؟ فقال: يحاسبهم جميعا في وقت واحد، كما أنه يرزقهم جميعا في وقت واحد لأنه سبحانه لا يشغله شأن عن شأن. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ [لقمان: 28] سميع وبصير صيغة مبالغة من السمع والبصر، وقلنا: إنك وأنت العبد المخلوق تستطيع أن ترى هذا الجمع مرة واحدة في نظرة واحدة، وكذلك تسمعه، فما بالك بسمع الله تعالى وبصره؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ألم تر أن الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٦١