وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة..
[البقرة: 55]. ولما أنزل الله عليهم المن، وهو مادة حلوة كطعم القشدة جعلها تتساقط عليهم، وأنزل عليهم السلوى، وهي طيور مثل السمان تنزل عليهم جاهزة معدة للتناول رفضوا عطية الله لهم، وطعامه الذي أعد من أجلهم، وقالوا: بل نريد طعاما نصنعه بأيدينا، وقالوا:
لن نصبر على طعام واحد..
[البقرة: 61]، فقال لهم:
اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم..
[البقرة: 61]. وما دام الأمر بالنسبة لهؤلاء ماديا فلا بد أن يزحزح نفسه عن الآخرة وعن القيامة والحساب، لذلك راحوا يشككون فيها، أما الفلاسفة فقالوا: حين يبعث الله إنسانا بعد الموت وقد تحللت أعضاؤه وصارت ترابا، ثم غرست في هذا المكان شجرة فتغذت من هذا التراب، وأكل إنسان آخر من ثمارها وانتقلت إليه بعض خلايا وجزئيات الأول، فإذا كان هناك بعث أتبعت هذه الجزئيات مع الأول أم مع الآخر؟ فإن كانت مع الأول فهي نقص في الآخر والعكس. هذه هي شبهة الفلاسفة. وقد تخبط الفلاسفة هذا التخبط لأنهم لم يفطنوا إلى شيء في الوجود يعطي قيما للغيبيات، وقد أوضحنا هذه المسألة فقلنا لهم: لو أن إنسانا يزن مائة كيلو مثلا أصيب بمرض أفقده أربعين كيلو من وزنه، فماذا يعني هذا النقص بالنسبة للشخص نفسه؟ هذه المسألة يتحكم فيها أمران: الغذاء والإخراج، ففي فترة النمو يكون الداخل للجسم أكثر من الخارج، أما في فترة الشيخوخة مثلا فالخارج أكثر، فإن توازن الأمران كانت حالة من الثبات لا يزيد فيها الشخص ولا ينقص، وهي فترة الثبات. فالشخص الذي نقص من وزنه أربعون كيلو، ثم شفاه الله وعادت إليه عافيته حتى زاد وزنه وعاد إلى حالته الطبيعية، فهل تغير الشخص حال نقصان وزنه؟ وهل تغير حال عودته إلى طبيعته؟ أم ظلت الشخصية والذاتية هي هي؟ إذن: المسألة في تكوين الجسم ليست ذرات وجزيئات، إنما هي شخصية معنوية خاصة وإن تكونت من جزيئات المادة وهي الستة عشر عنصرا التي تكون جسم الإنسان، والتي تبدأ بالأكسوجين وتنتهي بالمنجنيز، وهي نفس العناصر المكونة لتربة الأرض التي نأكل منها، وهذه العناصر بنسب تختلف من شخص لآخر.
والحق سبحانه وتعالى يقول:
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ
[ق: 4] يعني: نعرف ما نقص من كل إنسان: كذا في الحديد، وكذا من الأكسوجين، وكذا من الفسفور.. إلخ. إذن: حين يبعث الله الإنسان بعد الموت يبعث هذه الشخصية المعنوية بهذه الأجزاء المعروفة، فيأتي الشخص هو هو. ومن القضايا التي أثاروها في مسألة البعث ولالتباسات التي يحاولونها يقولون: الله تعالى يخلق الإنسان في مدة تسعة أشهر، أو ستة أشهر، يمر خلالها بعدة مراحل: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم يكسو هذه العظام لحما، هذا للإنسان الواحد، فكم تستغرق إعادة خلق البشر من لدن آدم عليه السلام حتى قيام الساعة؟ ونقول: لقد ذكرتم كيفية خلق سلالة الإنسان والتي تستغرق تسعة أو ستة أشهر، لكن لم تذكروا خلق الأصل، وهو آدم عليه السلام، وقد خلقه الله على هيئته وصورته التي كان عليها، فلم يكن صغيرا وكبر، إنما خلق كبيرا مستويا كاملا، ثم نفخت فيه الروح. ثم إن عناصر الفعل هي: الفعل، والفاعل، والمنفعل، يضاف إليها الزمن الذي سيتم فيه الفعل، فأنا أريد أن أنقل هذه الحملة من هنا إلى هناك فنقلنا فعل، وأنا الفاعل، والحملة هي المنفعل ثم الزمن الذي يستغرقه الحدث، والزمن يعني توزيع جزئيات الحدث على جزئيات الزمن فإذا أردت أن تخيط ثوبا بطريقة يدوية فإنه يأخذ منك وقتا طويلا، فإن خطه بالماكينة أخذ وقتا أقل بكثير. إذن: فزمن الفعل يتناسب مع قوة الفاعل، وتذكرون أنه في الماضي كانت الشوارع تضاء بمصابيح الزيت، وكان لكل منطقة عامل يصعد إلى سلم إلى كل فانوس ليشعله، أما الآن فتستطيع أن تنير مدينة بأكملها بضغطة زر واحد. إذن: كلما زادت القوة قل الزمن. فتعال إذن إلى مسألة البعث والإعادة بعد الموت: أهي بقوتك أنت لتحسبها بما يناسب قوتك وقدرتك؟ إنها بقوة الله عز وجل، والله لا يعالج الأمور كما نفعل ولا يزاولها، إنما يفعل سبحانه بكن. إذن: فالفعل بالنسبة لله تعالى لا يحتاج إلى زمن توزع فيه جزئيات الفعل على جزئيات الزمن. ولم تستبعد هذا في حق الله تعالى، وقد أعطاك ربك طرفا منه رغم قدرتك المحدودة؟ ألست تجلس في مثل هذا المجلس فترانا جميعا مرة واحدة في نظرة واحدة، كذلك تسمع الجميع دفعة واحدة؟ ألست تقوم بمجرد أن تريد أن تقوم، وتنفعل جوارحك لك بمجرد أن يخطر الفعل على بالك؟ أتفكر أنت في العضلات التي تحركت والإشارات التي تمت بداخلك لتقوم من مجلسك؟ وقد سبق أن أوضحنا هذه المسألة حين قارنا حركة الإنسان في سلاستها وطواعية الجوارح لمراد صاحبها بحركة الحفار مثلا، فهو لا يؤدي حركة إلا بالضغط على زر خاص بها.