تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعال إلى الأعداد من ثلاثة إلى عشرة، تقول: ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة... إلخ فالعدد نفسه مبني على التاء، وليست هي تاء التأنيث، لأنها أعداد مجردة بلا معدود، فإذا أردنا تأنيث هذا العدد وبه تاء لا نضيف إليه تاء أخرى، إنما نحذف التاء فيكون الحذف هو علامة التأنيث ويبقى العدد مع المذكر على الأصل بالتاء. فما حكاية العدد سبعة بالذات؟ قالوا: إن العدد واحد هو الأصل في الأعداد لأن العد ينشأ من ضم واحد إلى آخر، فواحد هو الخامة التي تتكون منها الأعداد فتضم واحدا إلى واحد وتقول: اثنان وتضم إلى الاثنين واحدا، فيصير العدد ثلاثة.. وهكذا. ومعلوم أن أقل الجمع ثلاثة، والعدد إما شفع وإما وتر، الشفع هو الذي يقبل القسمة على الاثنين، والوتر لا يقبل القسمة على الاثنين، والله تعالى يقول:

والشفع والوتر

[الفجر: 3] فبدأ بالشفع وأوله الاثنان ثم الثلاثة، وهي أول الوتر، أما الواحد فقد تركناه لأنه كما قلنا الخامة التي يتكون منها جميع الأعداد. وما دام الله تعالى قال:

والشفع والوتر

[الفجر: 3] فالاثنان أول الشفع، والثلاثة أول الوتر، وأربعة ثاني الشفع، وخمسة ثاني الوتر، وستة ثالث الشفع، وسبعة ثالث الوتر. وقلنا: إن الجمع أقله ثلاثة، فاعتبرت العرب العدد سبعة أقصى الجمع وترا وزوجا، وانتهت عند هذا العدد، فإذا أرادوا العد أكثر من ذلك أتوا بواو يسمونها واو الثمانية، وقد سار القرآن الكريم في أحكام العدد هذه على ما سارت عليه العرب. واقرأ إن شئت هذه الآيات:

وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها..

[الزمر: 71]. أما في الجنة فيقول سبحانه:

وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها..

[الزمر: 73]. فما الفرق بين الآيتين؟ ولماذا جاءت الواو في الثانية، ولم تذكر في الأولى؟ قالوا: لأن

فتحت..

[الزمر: 71] في الأولى جواب شرط، وهذا الجواب كانوا يكذبونه وينكرونه. والشرط تأسيس

حتى إذا جآءوها..

[الزمر: 71] ماذا حدث؟

فتحت أبوابها..

[الزمر: 71] إنما هل كان المؤمنون المتقون الذين يذهبون إلى الجنة يكذبون بهذا اليوم؟ إذن ف:

فتحت..

[الزمر: 71] هنا لا تكون جوابا لأنهم يعلمون يقينا أنها ستفتح، أما الجواب فسيأتي في:

وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين

[الزمر: 73-74]. ولما كانت أبواب النار سبعة لم يذكر الواو، أما في الجنة فذكر الواو، لأن أبوابها ثمانية. كذلك اقرأ قول الله تعالى ولاحظ متى تستخدم الواو:

عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا

[التحريم: 5]. تجد الواو قبل الثمانية، ذلك لأن العرب تعتبر السبعة منتهى العدد بما فيه من زوج وفرد.

وقوله تعالى: ﴿ والبحر يمده.. ﴾ [لقمان: 27] أي: يجعل مدادا لكلمات الله ﴿ ما نفدت كلمات الله.. ﴾ [لقمان: 27] كلمات الله هي السبب في إيجاد المقدورات العجيبة لأن الله تعالى يقول:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82] فكل مراد من شيء سببه كن. وهنا عجيبة ينبغي أن نتأملها: فالله تعالى يقول للشيء وهو لم يخلق بعد كن، كأن كل الأشياء موجودة في الأزل ومكتوبة، تنتظر هذا الأمر كن، فتبرز إلى الوجود، كما يقول أهل المعرفة: أمور يبديها ولا يبتديها. إذن: ﴿ كلمات الله.. ﴾ [لقمان: 27] هي كن وكل مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا حين تقوم الساعة. ألم يقل في العجيب من أمر عيسى عليه السلام

وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه..

[النساء: 171] والمعنى أنه لم يخلق بالطريق الطبيعي في خلق البشر من أب وأم، إنما خلق بهذه الكلمة كن. لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يثبت لنفسه طلاقة القدرة في الإيجادات وأنه سبحانه يخلق كما يشاء، فمرة يخلق بلا أب وبلا أم، كما خلق آدم عليه السلام، ومرة يخلق بأم دون أب كما خلق عيسى عليه السلام، ومرة يخلق بأب وأم، ويخلق بأب دون أم كما خلق حواء. إذن: القسمة العقلية موجودة بكل وجوهها. إذن: مع طلاقة القدرة لا اعتبار للأسباب، فأنت إن أردت أن تكون مثلا قطرة الماء، فعليك أن تأتي بالأكسوجين والأيدروجين بطريقة معينة ليخرج لك الماء وإلا فلا، أما الخالق - عز وجل - فيخلق بالأشياء وبدون شيء، لأن الأشياء بالنسبة لله تعالى ليست فاعلة بذاتها، وإنما هي فاعلة بمراد الله فيها. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ [لقمان: 27] والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب ويقهر ولا يقهر، ولا يستدرك أحد على فعله حتى لو كان مخالفا لعقله هو، وتأمل معنى العزة، وكيف وردت في هذا الموقف من قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٥٨