[الأعراف: 20]. أليس من المنطق أن نقول: ولماذا لم تأكل أنت منها يا إبليس فتصير ملكا، وتصير من الخالدين، ولا تتمحك فتقول:
فأنظرني إلى يوم يبعثون
[الحجر: 36] إذن: كان على آدم أن يتنبه إلى مكايد الشيطان وألاعيبه. ثم ينبهنا - سبحانه وتعالى - من خلال هذه القصة إلى أن الشيطان سيأتينا في مقام الطاعة، فلو أن آدم وزوجه ذهبا إلى هذه الشجرة وأكلا منها ما وسوس لهما، فهذا دليل على أنهما احتاطا للأمر، فلم يقربا من الشجرة تنفيذا لأمر الله لذلك تدخل الشيطان. إذن: نقول إن الشيطان لا يتدخل إلا في مجال الطاعة، أما المعصية فصاحبها كفاه مؤنة الوسوسة، الشيطان يذهب إلى المسجد لا يذهب إلى الخمارة لأن الذي يذهب إلى الخمارة صار شيطانا في ذاته، فما حاجته لإبليس؟ لذلك يقول تعالى حكاية عن إبليس:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16] أي: في مواضع الخير وطرق الصلاح والهداية لأبطل أعمالهم، وأفسد عليهم أمرهم، ونحن نلحظ ذلك في صلاتنا مثلا، فقد تنسى شيئا، وتحاول أن تتذكره فلا تستطيع، وفجأة وأنت تصلي تتذكره. فلو أننا أخذنا الروشتة من خالقنا عز وجل وبمجرد أن ينزغنا الشيطان نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لتنبه الشيطان، وعلم أننا لسنا في غفلة، وأننا نكشف ألاعيبه، ونعرف حيله وصدق الله العظيم حين قال:
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله..
[الأعراف: 200]. وقد وصف الله الشيطان بأنه خناس، يعني: إذا ذكر الله خنس وتضاءل، فإن جاءك هذا الخاطر الشيطاني - حتى وإن كنت تقرأ القرآن - قل بجرأة وقوة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليعلم أن ألاعيبه لا تخفى عليك فينصرف عنك، أما أن تخضع له فإنه يعطيك فقط طرف الخيط، ويفتح لك بابا يشغلك به، ثم يتركك أنت تكر هذا الخيط من نفسك، ويذهب هو يستغفل واحدا غيرك.
والشيطان رغم علمه، إلا أن فيه تغفيلا بدليل أنه أعلن عن خطته، وأظهر لنا مكايده قبل أن يكيدنا بها، فقال:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16] وقال
لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم..
[الأعراف: 17]، فالذي يدبر المكايد ويتآمر على غيره لا يعلن عن مكايده مقدما، ونحن أيضا كان علينا أن نحذر هذه المكايد خاصة، وقد أعلن عدونا عنها. ولك أن تلحظ في خطة إبليس أنه يأتيك من جهاتك الأربع، ومعلوم أن الجهات ست، فلماذا لم يذكر فوقنا وتحتنا؟ قالوا: لأن هاتين الجهتين محل نظر إلى الله عز وجل، فالعبد ينظر إلى عز الربوبية في عليائه وذل العبودية إذا اتجه في سجوده إلى أسفل. إذن: فأنت في معية ربك في هاتين الجهتين، والشيطان لا ينال منك إلا وأنت بعيد عن معية ربك. ومثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى قلنا: إن الغلام إذا كان يسير في يد أبيه وفي صحبته، لا يجرؤ أحد من أمثاله على الاعتداء عليه، إنما إن سار وحده فهو عرضة للإيذاء. وهذا دليل على علم إبليس وعلى ذكائه، ونلحظ هذا أيضا في قوله:
لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 82-83] كأنه يقول لربه: أنا لا أقترب من عبادك الذين هم في حضانتك، وفي معيتك. والتغفيل الأكبر في إبليس أنه مع علمه بمقام ربه يتمرد على أمره، حين يأمره بالسجود فلا يسجد. إذن: نبه الله تعالى آدم وحذره من كيد إبليس، وكان عليه أن يحذر وألا تدخل عليه حيلة الأكل من الشجرة إلا أنه في غفلة منه عن أمر ربه أكل من الشجرة، فلما خالف الأمر اختلفت طبيعته، وبدت له ولزوجه السوءة، وكانت المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بعورته عند خروج الغائط. لكن، ما الفرق بين فتحة دخول الطعام الفم وفتحة خروجه؟ ولماذا أصبحت هذه عورة، وهذه غير عورة؟ قالوا: لأن آدم حال طاعته لأمر ربه في الأكل من ثمار الجنة كان يأكل بطهي ربه، وهو طهي بحكمة وبقدر معلوم، يكفي مقومات الحياة ولا يزيد عنها، لذلك لم يبق في بطن آدم فضلات، ولم توجد عنده غازات أو أرياح، فلم يشعر في هذه الحالة بحاجة إلى التغوط، فكانت الفتحتان متساويتين، هذه فتحة، وهذه فتحة. فلما خالف آدم ربه وذاق الشجرة اختلفت الأغذية في بطنه، وحدث لها تفاعلات، ونتج عنها فضلات وأرياح، ولما أحس بها آدم نفر منها وأصابه الخجل، وشعر أنها عورة ينبغي أن تستر، فالطبع السليم لا بد أن ينفر منها لذلك أخذ يزيل هذا الأذى عن نفسه، ويستره بأوراق الشجر، ومنذ ذلك الحين لم يستطع آدم أن يسد هذه الفتحة، ولن تسد.