تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا التدريب لآدم فيه إشارة رمزية لكل تكليف من الله لخلقه في افعل و لا تفعل. ثم يذكر الحق سبحانه آدم بالمقدمة العدائية التي حدثت بينه وبين إبليس، وينصحه بأن يحذر هذا العدو لأنه أبى أن يسجد له لما أمره الله بالسجود استكبارا وعتوا. والله حين يأمر بالسجود لآدم إنما يريد السجود للأمر والانصياع له، لا السجود لآدم في ذاته لذلك نجد الأمر من الله تعالى يختلف باختلاف المأمورين، فمرة ينهى عن شيء ويأمر بمثله ليرى مدى انضباطك للأمر وللنهي. ففي الحج مثلا، يأمرك أن تقبل حجرا، وأن ترمي حجرا آخر وترجمه، وهذا حجر وذاك حجر، إذن: فالحجرية غير منظورة، لكن المنظور فيه إلى الأمر أو النهي. وبصرف النظر عن المصلحة أو الحكمة من الأمر أو النهي، فمثلا حينما يتعذر الماء يشرع التيمم بدلا من الوضوء، فيأتي من يقول: الوضوء للنظافة، فما النظافة في التيمم، وهو يلوث الجسم؟ ونقول: فرق بين النظافة والتطهير، والمراد من التيمم التطهير بشيء هو أصل في مادتك وتكوينك، فالمسألة انضباط في طاعة الأمر بأن تفعل شيئا تجعله مقدمة لصلاتك، كأنك لا تقبل على الصلاة إلا بتهيئة، وأيضا لأن الصلاة بها قوام روحك وحياتك، وحياتك في الأصل ومادتك من الماء الذي تستخدمه في الوضوء والتراب الذي تستخدمه في التيمم. إذن: لهاتين المادتين رمزية يجب أن تلحظ في الدخول على الله في الصلاة، ولا يليق بالمؤمن أن يفلسف أمور العبادات ويبحث عن علتها والحكمة أو المصلحة من أدائها، إنما يكفي أن يقول: علة هذا الأمر أن الله أمر به أن يفعل، وعلة هذا الحكم أن الله أمر به ألا يفعل. لذلك ورد عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: لو كانت المسألة بالعقل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، إذن: المسألة طاعة والتزام للأمر وللنهي لذلك من غير المناسب أن نقول: إن من حكمة الصوم: أن يشعر الغني بألم الجوع، فيعطف على الفقير لأنني سأقول لك إذن: لماذا يصوم الفقير؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلا وما زلنا نكرره. قلنا: إن أعز شيء على المرء صحته، فإن أصابته علة، فأول ما يعمل عقله يبحث عن الطبيب المتخصص في مرضه فيذهب إليه، ثم يسلم له نفسه ليفحصه، ثم يكتب له الدواء فيأخذه ويتناوله دون أن يسأل عن علته، أو لماذا وصفه الطبيب، لماذا؟ لأن الطبيب مؤتمن بعد أن تعلم ودرس وتخصص، فأنت لا تسأله ولا تناقشه: لماذا كتب لك هذا الدواء، وهو مع ذلك إنسان وعرضة للخطأ وللسهو وللنسيان، ومع ذلك لا يناقش. إذن: علة تناول الدواء أن الطبيب وصفه لي، وعلة كل أمر عند الآمر به.

والآمر في العبادات هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يليق بالمؤمن بعد أن آمن بالله وبحكمته وقدرته أن يبحث ليعلم الحكمة من كل أمر يأتيه من ربه عز وجل. نعود إلى آدم - عليه السلام - وأن الجنة التي دخلها كانت للتدريب والتجربة ولم تكن جنة الخلد، تدرب فيها آدم على: كل افعل وعلى: لا تقرب لا تفعل واحذر الشيطان فإنه عدو لك، وسوف يوسوس لك، ويغويك لأنه لا يريد أن يكون عاصيا وحده، يريد أن يجرك معه إلى حمأة المعصية. وظل آدم وزوجته يأكلان كما قال تعالى من الجنة رغدا حيث شاءا، دون أن يقربا هذه الشجرة التي بينها الله لهما إلى أن وسوس لهما الشيطان وأغراهما بالأكل منها، مع أن الله تعالى حذرهما، وأعطاهما حقنة مناعة ضد الشيطان ووسوسته، ومع ذلك حدثت من آدم الغفلة. وهذه الغفلة الله ينبه بها ذرية آدم من بعده: أن الشيطان لن يدعكم، وسوف يدخل عليكم بألاعيبه وحيله، كما دخل على أبيكم آدم، فكونوا منه على حذر، وابحثوا بعقولكم ما يلقيه إليكم من وساوس. بالله ماذا قال إبليس لآدم حين أغواه بالأكل من الشجرة؟ قال:

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٢٥