تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: الحق سبحانه جعل الدربة لآدم في الجنة هذه، وهيأ له فيها طعامه، ونهاه عن نوع بعينه، فأمره ونهاه وعلمه وحذره، فلما وقع في المخالفة وأغواه الشيطان، ولم يعمل بنصيحة ربه أخرجه إلى الأرض بهذه التجربة، لتكون رمزا له ولذريته من بعده: إن سرت على منهجي ووفق أوامري في افعل و لا تفعل فلن تجد عورة في الكون كله، ونحن نرى ذلك فعلا في حركة حياتنا في الكون، فلا نرى عورة في المجتمع ولا خللا إلا إذا خولفت أوامر الله. هذا هو الإتيان الأول، بعد ذلك قدر الله غفلة البشر، فأرسل إليهم الرسل بالمنهج، فكان إتيان آخر، كما قال تعالى:

وآتينا داوود زبورا

[النساء: 163] وقال في عيسى عليه السلام:

وآتيناه الإنجيل

[الحديد: 27]. وهذا الإيتاء من الله يتم في خفاء لذلك يسمونه وحيا، وهو من الغيبيات، فالله تعالى لا يمد يده فيعطي النبي أو الرسول شيئا حسيا، ومن هنا ارتبط الإيمان بالغيبيات دون المحسات، فأنا لا أقول مثلا: آمنت بأنني قاعد في مسجد الشيخ سليمان وأمامي جمع من الإخوة.. الخ. إذن: لا بد أن يكون الإيمان بأمر غيبي. الحق - سبحانه وتعالى - يؤتى على توالي العصور أنبياءه معجزات، ويؤتيهم منهجا يسوس حركة الحياة، ولا يقتصر إيتاء الله على الرسل، إنما يؤتى غير الرسل، ويؤتى الحيوان.. الخ. ثم يعطينا الحق سبحانه نموذجا للحكمة التي آتاها لقمان: ﴿ أن اشكر لله.. ﴾ [لقمان: 12] هذه هي الحكمة الأولى في الوجود لأنك إن شكرت الله على ما قدم لك قبل أن توجد، وعلى ما أعطاك قبل أن تسأل، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم، كأنه تعالى يقول لعباده: ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم. فإن شكرك لله يهدم أول لبنة من لبنات الاغترار، فالذي يفسد خلافة الإنسان في الأرض أن يغتر بما أعطاه الله وبما وهبه، وينسى أنه خليفة، ويعتبر نفسه أصيلا في الكون، والشكر لله تعالى يكون على ما قدم لك من نعم. ومن ذلك قوله تعالى:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78] أي: تشكر الله على ما سبق، فقد ولدت لا تعلم شيئا، ثم تكونت عندك آلات الإدراك والعلم، فعلمت وملأت قلبك بالمعاني الجميلة لذلك تشكر الله عليها، فجعل هذه الآلات لك، علته أن تشكر أي: على ما مضى.

ثم هناك شكر آخر، لا على ما فات، لكن شكر هو في ذاته نعمة جديدة، وتأمل في ذلك قول الله تعالى:

ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله..

[الروم: 46] هذه كلها نعم يعطف عليها بقوله:

ولعلكم تشكرون

[الروم: 46]. فعطف الشكر على النعم السابقة يعني أنه في ذاته نعمة، وإلا لقال كما في الآية السابقة

لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. والشكر بهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى:

لئن شكرتم لأزيدنكم..

[إبراهيم: 7] فهذا شكر لما سبق، وهذا شكر لما هو آت. والشكر في قوله تعالى: ﴿ أن اشكر لله.. ﴾ [لقمان: 12] موجه إلى الله تعالى، فكيف إذا توجه الشكر في أسباب تناوله إلى غير الله، كأن تشكر صاحبك الذي قدم لك معروفا مثلا؟ قالوا: لو تأملت شكر غير الله ممن قدم لك معروفا يستوجب الشكر لوجدته يؤول إلى شكر الله في النهاية. لذلك قالوا: لا تشكر الله إلا حين تشكر من ساق لك الجميل على يديه، يعني: جعله سببا في قضاء حاجتك، ثم إن الذي قدم لك جميلا، ما قدمه لك وما آثرك على نفسه إلا لأن الله أمره بذلك، ودعاه إليه. وأثابه على فعله، فإذا سلسلت الشكر لانتهى إلى شكر الله تعالى. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد ﴾ [لقمان: 12] علمنا أن الشكر لله هو أول الحكمة، فلماذا؟ لأن من يشكر تعود إليه ثمرة شكره. وإياك أن تظن أن من مقومات قيومية ربك أن تشكره، فشكرك وعدمه سواء بالنسبة لله تعالى، كيف وقد وسع سبحانه الكافر الذي كفر به، ولم يقطع عنه نعمه ذلك لأنه سبحانه غني عن خلقه ﴿ ومن كفر فإن الله غني حميد ﴾ [لقمان: 12] لأنه سبحانه يعرف أنه رب، حتى للكافر الجاحد. ونلحظ في الأسلوب هنا عظمة وروعة، ففي الشكر قال سبحانه ﴿ ومن يشكر.. ﴾ [لقمان: 12] أما في الكفر فقال: ﴿ ومن كفر.. ﴾ [لقمان: 12] ولم يقل: ومن يكفر، وفرق بين الأسلوبين، والكلام هنا كلام رب، ففي الشكر جاء بالفعل المضارع ﴿ يشكر.. ﴾ [لقمان: 12] الدال على الحال والاستقبال، فالشكر متجدد ودائم على خلاف الكفر. وكأنه - سبحانه وتعالى - لا يريد من عبده الدوام على كفره، فلعله يتوب ويرجع إلى ساحة الإيمان، فجاء بالفعل الماضي ﴿ كفر.. ﴾ [لقمان: 12] أي: في الماضي فحسب، وقد لا يعود في المستقبل، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم. ومعنى ﴿ حميد ﴾ [لقمان: 12] من صيغ المبالغة على وزن " فعيل " وتأتي مرة بمعنى " فاعل " مثل رحيم، ومرة بمعنى " مفعول " مثل قتيل أي: مقتول، والمعنى هنا ﴿ حميد ﴾ [لقمان: 12] أي: محمود وجاءت هذه الصفة بعد ﴿ غني.. ﴾ [لقمان: 12] لأن الكافر لو كان يعلم أن الله لم يقطع عنه نعمه رغم كفره به لحمد هذا الإله الذي حلم عليه، ولم يعامله بالمثل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذ قال لقمان... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٢٧