والجآن خلقناه من قبل من نار السموم
[الحجر: 27]. ومسألة الخلق هذه هينة على الله، بدليل قوله تعالى:
إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم: 19-20] فالمسألة ليست نادرة حدثت مرة واحدة، ولن تحدث بعد ذلك. وللعلماء كلام طويل في عوالم أخرى غير عالمنا كعالم الحن، وعالم البن، وعالم الجن وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، لكن إن حدثك المضللون الذين يريدون أن يستدركوا على الدين ويقولون: إن الحفريات أثبتت وجود مخلوقات قبل آدم، فكيف تقولون: إن آدم أول مخلوق؟ ونقول لهؤلاء: لم يقل أحد: إن آدم أول مخلوق على الأرض، إنما هو أول هذا الجنس البشري الذي نسميه " إنسان " لكن سبقته أجناس أخرى، وشاء الله أن يجعل آدم خليفة في الأرض، ثم أخبر الملائكة
إني جاعل في الأرض خليفة..
[البقرة: 30]. والله حين يخبر الملائكة هذا الخبر لا يستشيرهم، إنما ليبين لهم أمرا واقعا، وخص الملائكة بهذا الإخبار لأنه سيكون لهم دور مع هذا الخليفة الجديد. إذن: فالذين قال الله لهم:
إني جاعل في الأرض خليفة..
[البقرة: 30] ليسوا كل الملائكة، إنما الذين لهم دور ومهمة مع هذا المخلوق، أما باقي الملائكة فلا يدرون بآدم، ولا يعرفون عنه شيئا، وليس في بالهم إلا الله.
والقرآن الكريم يشير لنا إلى هذه المسألة إشارة دقيقة في قوله تعالى مخاطبا إبليس لما رفض السجود لآدم:
أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75] والعالون هم الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود. وقلنا: إن الله تعالى كرم آدم حين خلقه تعالى، وباشر خلقه بيده سبحانه، ولم يخلقه كباقي المخلوقات بكن لذلك جاء في حيثية النقد على إبليس:
قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..
[ص: 75]. إذن: مباشرة الخلق باليد دليل على العناية بالمخلوق لأن اليد هي الآلة الفاعلة لأكثر الأشياء، وحتى الآن نفخر بعمل اليد فنقول هذا الشيء يدوي يعني: لم تصنعه آلة صماء، إنما يد مفكر يتقن الصنعة. وفي مسألة خلق آدم - عليه السلام - يحلو للبعض أن يقول: هو الذي أخرجنا من الجنة، فهل قال الله تعالى قبل أن يصدر أول بيان عن آدم أنني خلقته للجنة، ثم عصى آدم ربه وتسبب في أن نخرج منها؟ لم يقل ذلك، إنما قال:
إني جاعل في الأرض خليفة..
[البقرة: 30] فهو - إذن - مخلوق للأرض، وما الجنة التي دخلها إلا جنة التجربة لا جنة الخلد، والبعض يظن أن كلمة الجنة إذا أطلقت تعني جنة الآخرة، وهذا خطأ بدليل قول الله تعالى:
إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين
[القلم: 17]. وقوله تعالى:
واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب..
[الكهف: 32]. فالجنة في اللغة هي المكان المليء بالأشجار الكثيفة التي تستر من يسير فيها، كما تستره أيضا عن البيئة الخارجية لأنها تكفيه بما فيها عن الاحتياج إلى غيرها، فبها كل مقومات الحياة، ومن ذلك الجنة التي دخلها آدم لأن الله تعالى أراد أن يصنع لآدم تدريبا على مهمة الخلافة، ولم لا ونحن ندرب كل صاحب مهمة على مهمته قبل أن يقوم بها، حتى لاعب الكرة. وحين نأخذ المتدرب لندربه على أداء مهمته لا بد أن نوفر له كل مقومات حياته، ونتكفل له بكل ما يعينه على أداء مهمته، فنقدم له إقامة كاملة من طعام وشراب ومسكن.. إلخ وكذلك فعل الله تعالى لآدم فقال له
يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
[البقرة: 35]. وحين نقارن بين ما أباحه الله لآدم وما حظره عليه نجد أنه تعالى أباح له كل ما في الجنة ولم يحرم عليه إلا هذه الشجرة التي أوضحها وبينها له. كما نلحظ قوله تعالى:
لا تقربا..
[البقرة: 35] ولم يقل: لا تأكلا لأن القرب من الشيء قد يغري بمزاولته، فاحتط أنت لنفسك بعدم القرب منه.