تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا كلام النبوة، ومن بعدها لم تعدها عائشة مرة أخرى. وقد يقول قائل: وكيف تغار عائشة، وهي أم المؤمنين وزوج رسول الله؟ قالوا: هذه الغيرة لها معنى، فقد عقد رسول الله عليها وهي بنت السادسة، ودخل بها وهي بنت التاسعة، وقد جاوز صلى الله عليه وسلم الخمسين من عمره، ومع فارق السن بينهما رضيت عائشة برسول الله لأنها رأت فيه من مزايا نوره ما جعلها تغار عليه رغم كبر سنه وصغر سنها، فلم تنظر إليه على أنه رجل عجوز يكبرها، بل رأت فيه ما يفوق ويعلو على مجرد الشباب. إذن: فمعنى: " جددت فراشي " أنني أراعي مشاعر الزوجة الجديدة، فلا أدخلها على فراش القديمة فأصدمها به، وألهب مشاعر الغيرة عندها، حتى من التي ماتت، وأنا أريد أن تكون صافية التكوين لذاتي، راضية عن كل تصرفاتي، أريد أن أمنع كل شبهة تقلق كونها سكنا لي، وأنا سكن لها.

نعود إلى قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة.. ﴾ [لقمان: 12] فالذي آتى هو الله عز وجل، والحكمة: مادة حكم تدل على وضع الشيء في موضعه، ومنها الحاكم لأنه يضع الحق في نصابه، حتى في الدواب نسمي الحديدة التي توضع في فم الفرس لأتحكم في حركته حكمه لأن الهدف من ركوب الخيل مختلف، فمرة أركبه للنزهة، ومرة أركبه لأدرك به صيدا، ومرة للكر وللفر في المعركة، فكل هدف من هذه له حركة، وينبغي أن أتحكم في حصاني ليؤدي لي ما أريده منه. إذن: فالحكمة تعني في معناها العام وضع الشيء في موضعه، وهي مجموعة من ملكات الفضائل تصدر عنها الأشياء التي تضع كل أمر في محله لكن بيسر وبلا مشقة ولا تعب، كالشيخ الذي ظل يدرس في الأزهر مثلا عشرين أو ثلاثين سنة تذهب إليه، وتستفتيه في أمر من الأمور، فيجيبك بيسر وسهولة، وبدون تفكير أو إعداد، لماذا؟ لأن الفتيا أصبحت ملكه عنده لا تحتاج منه إلى مجهود ولا مشقة. ومن الحكمة أن يخلق الله لك أشياء، ويهديك لأن تستنبط منها أشياء أخرى. وساعة تسمع من الله تعالى: ﴿ ولقد.. ﴾ [لقمان: 12] فاعلم أن هنا قسما فالواو واو القسم، والمقسم عليه مؤكد باللام ومؤكد بقد التي تفيد التحقيق. قوله سبحانه: ﴿ آتينا.. ﴾ [لقمان: 12] الحق - سبحانه وتعالى - في إتيانه للأشياء يعني تعدي ما قدره لمن قدره من خير ظاهر ومن خير مستور. وقبل أن يخلق الله الإنسان خلق له، فجاء الإنسان الأول آدم عليه السلام وطرأ على كون فيه كل مقومات حياته من هواء وماء وأرض وسماء وطعام وشراب.. الخ. وكل ذلك مسخر له تسخيرا لا دخل للمنتفع به فيه، وهذا أول الإيتاء، بل قبل ذلك، وفي الأزل قبل أن يخلق الإنسان خلق له مقومات مادته ومقومات قيمه وروحه - أي: أوجدها. لأننا نعلم أن كل صانع قبل أن يقدم على صنعة لا بد أن يحدد الغاية، ويضع الهدف منها أولا، لا أن يصنع الشيء ثم ينظر فيه: لأي شيء يصلح هذا الشيء، كذلك لا بد أن يسبق الصنعة منهج صيانتها. فالحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان وضع له مقوماته المادية والمعنوية، والمنهج الذي يصلحه وحدد الهدف من وجوده لذلك ينبهنا الحق سبحانه إلى هذه المسألة في قوله تعالى:

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان

[الرحمن: 1-3] فقبل أن يخلق الله الإنسان وضع المنهج الذي به صيانته، وهو القرآن الكريم. إذن: فمعنى الإيتاء أن يعدي الله ما قدره من خير ظاهر أو خير مستور لمن قدره، والخير يكون على نوعين: خير يقيم المادة، وخير يقيم القيم الروحية، المادة تقوم بالهواء وبالطعام وبالشراب.. الخ، والقيم تقوم بالوحي وبالمنهج الذي حمله الرسل بافعل ولا تفعل. والله تعالى آتى كثيرا من خلقه، فلماذا خص لقمان بالذات، فقال ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة.. ﴾ [لقمان: 12]؟ قالوا: لأن الله تعالى حين يأمر الرسل بأمر ليبلغوه يعد الرسل لهذا الأمر، وكأن الحق سبحانه يريد أن يقول لنا، إن الفطرة السليمة تهتدي إلى الله، وإلى المطلوب من الله بدون وحي، وبدون إعداد. ومن ذلك ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - من أنه كان يحدث سيدنا رسول الله بالأمر، ويقترح عليه فيأتي الوحي موافقا لرأيه، فكيف يتسنى لعمر أن يقترح على رسول الله وفي وجوده، وهو المشرع الثاني بعد القرآن؟ نقول: لأن الله تعالى يريد أن يثبت لنا أن الفطرة السليمة إذا صفت لله تستطيع أن تهتدي إلى الأشياء، وتصل إلى الحق قبل أن ينزل الوحي به. إذن: فالإيتاء من الله لا يأتي عبثا، فالإيتاء الأول كان لآدم عليه السلام، وآدم شاء الله أن يجعله خليفة له في الأرض، ولا يعني هذا أنه أول المخلوقات في الأرض، والحق سبحانه لم يقل إنني أول ما خلقت خلقت آدم، وبدليل قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٢٣