وهذه الصفات كافية لأن تكون منهجا لكل مؤمن، ولأن ينطق صاحبها بالحكمة، والله لو كانت فيه صفة الصدق في الحديث لكانت كافية. لذلك وصل لقمان إلى هذه المرتبة وهو العبد الأسود، فآتاه الله الحكمة مباشرة، وهو ليس نبيا ولا رسولا، وسميت إحدى سور القرآن باسمه، وهذا يدلك على أن الإنسان إذا اعتدل مع الله وأخلص في طاعته فإن الله يعطيه من فيضه الواسع، فيكون له ذكر في مصاف الرسل والأنبياء. ويروى من حكمة لقمان أن سيده أمره أن يذبح له شاة ثم يأتيه بأطيب مضغتين فيها، فذبح الشاة وجاءه بالقلب واللسان، وفي اليوم التالي قال له: اذبح لي شاة وأتني بأخبث مضغتين فيها، فجاءه أيضا بالقلب واللسان فسأله: ألم تأت بهما بالأمس على أنهما أطيب مضغتين في الشاة؟ قال: بلى فليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا شيء أخبث منهما إذا خبثا. وبعد لقمان جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدرس فيقول:
"... ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
" من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة ".
ويروى أن لقمان كان يفتي الناس، وكانوا يثقون بكلامه، وكان ذلك قبل داود عليه السلام، فلما جاء داود كف لقمان عن الفتيا، فلما سألوه: لماذا امتنعت عن الفتيا؟ فقال - وهذه أيضا من حكمته: ألا أكتفي إذا كفيت؟ يعني: لماذا أتمسك بها وقد بعث الله لي من حملها عني، وهو يعلم تماما أنه مجرد عبد صالح أي: أنه أخذ الحكمة من منازلهم كما يقال، أما داود فرسول من عند الله، ومن الحكمة أن يفسح له هذا المجال، ويترك له ساحة الفتيا في القوم لعله يأتي بأفضل مما عند لقمان لذلك تركها له عن رضا وطيب خاطر. والبعض يقول: إن الله خيره بين أن يكون نبيا أو حكيما، فقال: أما وقد خيرتني يا رب، فأنا أختار الراحة، وأترك الابتلاء، أما إن أردتها يا رب عزمة فأنا سأقبلها سمعا وطاعة لأني أعلم أنك لن تخذلني. والحق سبحانه ينطق لقمان بأشياء من الحكمة يسبق بها النبوة ليبين لنا أن الإنسان من الممكن أن يكون ربانيا، كما جاء في الحديث القدسي:
" عبدي، أطعني تكن ربانيا، تقول للشيء كن فيكون ".
ذلك لأن فضل الله ليس له حدود، وليس عليه حرج، وبابه تعالى مفتوح، المهم أن تكون أهلا لأن تلج هذا الباب، وأن تكون في معية ربك دائما.
ومما يروى من حكمة لقمان أنه غاب في سفرة، ثم عاد فلقيه تابعه، فقال له: ما حال أبي؟ فقال: مات، فقال لقمان: الآن ملكت أمري، ثم سأل: فما حال زوجتي؟ فقال: ماتت، فقال: جددت فراشي، ثم سأل عن أخته، فقال: ماتت، فقال: ستر الله عرضي، ثم سأل عن أخيه، فقال: مات، فقال: انقصم ظهري. وهذا الكلام لا يصدر إلا عن حكمة، فكثيرا ما يفرح الابن - خاصة العاق - بموت أبيه لأنه سيترك له المال يتمتع به، أما لقمان فيقول عندما علم بموت أبيه: الآن ملكت أمري لأنه في حياة أبيه كان له أمر، لكن أمره ليس في يده إنما في يد أبيه، فلما مات أبوه صار أمره بيده. وهذه الحكمة توضح لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنت وما ملكت يداك لأبيك "
كأنه من العيب أن تقول في حياة أبيك: أنا أملك كذا وكذا. أما الآن فقد تجاوز الأبناء كل هذه القيم، ونسمع الابن يقول لأبيه: اكتب لي كذا وكذا. أما قوله: " جددت فراشي " فهي كلمة لها معنى كبير: أنا لا أدخل الجديدة على فراش القديمة حتى لا أجرح مشاعرها، أو أنني لا أتزوج إلا بعد وفاة زوجتي الأولى ذلك لأن الغيرة طبع في النساء. وكانت أم المؤمنين عائشة تغار حتى من ذكر السيدة خديجة، فقد
" دخلت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم على أبيها مغضبة فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أغضبك يا أم أبيها " فقالت: والله إن عائشة قالت لي: إن رسول الله تزوج أمك ثيبا، ولم يتزوج بكرا غيري، فقال لها رسول الله: " إذا أعادت عليك هذا القول - وانظر هنا إلى أدب النبوة في الرد وفي سرعة الخاطر - فقولي لها: ولكن أمي تزوجت رسول الله وهو بكر، وتزوجتيه أنت وهو ثيب "