فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65] والعبد الصالح لم يكن نبيا، ومع ذلك آتاه الله بدون واسطة، فكان هو معلما للنبي، وما ذلك إلا لأنه عبد لله على منهج موسى، وأخلص لله تعالى فآتاه الله من عنده. واقرأ قول الله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا..
[الأنفال: 29] وقال سبحانه:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17] إذن: كل ما علينا لنأخذ إلهامات الحق سبحانه أن نحتفظ بصفاء البنية التي خلقها الله لتظل بمواصفات خالقها، ثم نسير بها على منهجه تعالى في افعل ولا تفعل، وكان سيدنا لقمان من هذا النوع الصافي الطاهر النقي، الذي لم يخالط جسمه حرام، والذي لا يغفل عن منهج ربه لذلك آتاه الله الحكمة، وقال فيه: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة.. ﴾ [لقمان: 12]. وقد اختلف العلماء فيه: أهو نبي أم غير نبي، والغالب أنه غير نبي لأن القائلين بنبوته ليس لهم سند صحيح، والجمهور اجتمعوا على أنه رجل صالح مرهف الحس، دقيق الإدراك، والحس كما قلنا هو الأصل الأول في المعلومات، وكان لقمان لا يمر على الأشياء إلا بهذا الحس المرهف والإدراك الدقيق العميق، فتتكون لديه مدركات ومواجيد دقيقة تختمر في نفسه، فتتجمع لديه مجموعة من الفضائل والقيم التي تسوس حركة حياته، فيسعد بها في نفسه، بل ويسعد غيره من حوله بما يملك من المنطق المناسب والتعبير الحسن، كذلك كان لقمان.
وللعلماء أبحاث حول شخصية لقمان وجنسيته، فمنهم من ذهب إلى أنه كان أسود اللون غليظ الشفتين كأهل جنوب إفريقيا، لكنه مع ذلك كان أبيض القلب نقي السريرة، تخرج من بين شفتيه الغليظتين الحكم الرقيقة والمعاني الدقيقة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا:
" إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ".
لذلك حين ترى من هو أقل منك في مال، أو صحة، أو جاه، أو منظر فلا تغتر بذلك، وانظر وتأمل ما تميز به عليك لأن الخالق سبحانه - كما قلنا - وزع فضله بين عباده بالتساوي، بحيث يكون مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولا تفاضل بين المجموعات إلا بالتقوى:
" لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ".
فالذين يحلو لهم أن يقسموا المهن مثلا إلى مهن شريفة وأخرى حقيرة نقول: ليست هناك مهنة حقيرة ما دام المجتمع في حاجة إليها ولا تستقيم حركة الحياة إلا بها، فكيف تحقرها؟ وكيف تحقر أهلها؟ والله لو قعد الوزراء في بيوتهم أسبوعا ما حدث شيء، لكن لو تعطل عمال النظافة مثلا أو الصرف الصحي ليوم واحد لحدثت مشكلة، ولأصبحت الدنيا خرارة. وكيف نحقر هذه المهن ونحقر أصحابها، وهم يرضون باليسير، ويتحملون ما لا يطيقه غيرهم، كيف نحقرهم، والله تعالى يقول:
يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم..
[الحجرات: 11]. فإن قلت: ما دام ليس نبيا، فكيف يؤتيه الله؟ نقول: بالمدد والإلهام الذي قال الله فيه:
إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال: 29] فمن يحافظ على مواصفات التكوين بمنطق الله يأخذ من الله مباشرة. كما لو طلب منك ولدك مبلغا من المال يتاجر به في السوق، فتعطيه مبلغا يسيرا تجربه به، فإن أفلح وربحت تجارته يطمئن قلبك فتزيده أضعاف ما أخذ في المرة الأولى، كذلك الإنسان إن أحسن صحبته لربه داوم الله عليه فضله ووالى إليه فيضه. لذلك يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما قصر بنا في علم ما نجهل إلا عدم عملنا بما علمنا - يعني: لو كنا أهلا للزيادة لزادنا، لو كنا مأمونين على ما علمنا فوظفناه في حركة حياتنا لجاءتنا فيوضات إشراقية وعطاءات من ربنا ممتدة لا تنتهي، أما إن أخذنا العلم فألقيناه جانبا ولم نعمل به، فما الداعي للزيادة، وأنت لم تستفد بما عندك؟ وكما تكلم العلماء في شخصية لقمان وجنسيته تكلموا في حكمته، فسأله أحدهم وقد تبسط معه في الحديث: ألم تكن عبدا تخدم فلانا؟ قال: بلى، قال: فبم أوتيت الحكمة؟ قال: باحترامي قدر ربي، وأدائي الأمانة فيما وليت من عمل، وصدق الحديث، وعدم تعرضي لما لا يعنيني.