تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.112-113

رغدا: كثيرا واسعا. بأنعم الله: بنعم الله.

في هاتين الآيتين مثل يضربه الله لأهل مكة ولكل من يأتي بعدهم ممن يجحدون النعم ويكفرون بها وهم آمنون مطمئنون ولا يعتبرون، فبين الله صفة لقرية كان اهلها آمنين من العدو، يأتيها الرزق الكثير من كل مكان، فكفروا بنعم الله ولم يشكروه، فعاقبهم الله بالمصائب التي أحاطت بهم، وذاقوا مرارة الجوع والخوف بعد الغنى والأمن.

وقد جاءهم رسول منهم، فكذبوه عنادا وحسدا، فأخذهم العذاب واستأصل شأفتهم، بسبب ظلمهم وكفرهم.

فهذا المثل ينطبق على اهل مكة حيث كانوا آمنين مطمئنين، فيها بيت الله الحرام وجميع العرب، يعظمونه ومن دخله كان آمنا لا يجرؤ احد على إيذائه، وكان الناس يصلهم الأذى من حولهم، واهل مكة في حراسة البيت وحمايته آمنون مطمئنون كذلك كان رزقهم يأتيهم من كل مكان مع الحجيج والقوافل منذ دعوة ابراهيم الخليل.

وجاءهم رسول منهم يعرفونه صادقا أمينا يدعوهم الى ما فيه كل الخير لهم وللناس أجمعين فكذبوه، فأذهب الله هيبتهم، ونصر رسوله عليهم، وعادت مكة الى حظيرة الاسلام.

16.114-119

﴿ فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون ﴾.

بعد ان بين الله حال الجاحدين بنعمة الله وكيف عاقبهم، يقول للمؤمنين: اذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدلها بؤسا وعذابا، فكلوا ما رزقكم الله من الحلال، واشكروه على ما أنعم عليكم ان كنتم تعبدونه بإخلاص. وبعد ان امرهم بالاكل من الحلال الطيب بين ما حرم عليهم فقال: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ﴾ تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي الآية 4 من سورة المائدة بأوسع من ذلك.

﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ﴾.

ولا تحللوا ان تحرموا كذبا وزورا دون استناد الى دليل، لتفتروا الكذب على الله. ثم اوعد المفترين وهددهم اشد التهديد فقال:

﴿ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ﴾.

ان الذين يختلقون الكذب على الله من عند انفسهم لا يفوزون بخير ولا فلاح.

ثم بين ان ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئا مذكورا اذا قيس بالضرر الذي يحصل منه فقال:

﴿ متاع قليل ولهم عذاب أليم ﴾.

ان ما يحصلون عليه من الفوائد بسبب جرأتهم وكذبهم شيء قليل من المنافع يتمتعون به، ولهم في الآخرة عذاب شديد.

﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾.

في هذه الآية اشارة الى ما تقدم في سورة النساء:

فبظلم من الذين هادوا...

[النساء:160] وما ظلمناهم بتحريم ذلك عليهم ولكن ظلموا انفسهم بمعصيتهم لربهم وتجاوزهم حدوده.

ثم بين الله تعالى ان الافتراء على الله وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبلها الله منهم، ويغفر لهم رحمة منه وتفضلا فقال:

﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾.

ان الله تعالى غفور رحيم:

كتب ربكم على نفسه الرحمة

[الانعام: 54]، فمن تاب واصلح فان يغفر له، وباب التوبة عنده مفتوح دائما للخاطئين.

تيسير التفسير · الصفحة ٥٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٥٨٢