8.55-63
الدواب: كل ما دب على وجه الأرض، وغلب على ذوات الأربع من الحيوان، وشبه الله تعالى الكفار بالدواب. فاما تثقفنهم: تدركهم وتظفر بهم. فشرد بهم. ابعدهم ونكل بهم. من خلفهم: كفار مكة واعوانهم من مشركي القبائل الموالية لهم. النبذ: الطرح. رباط الخيل: حبسها على الجهاد واقتناؤها. جنحوا: مالوا. السلم: بفتح السين وكسرها، ضد الحرب.
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة صار الكفار معه أقساما ثلاثة: قسما صالحهم ووادعهم على ان لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم واموالهم. وقسما حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسما تركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول اليه أمره وأمر اعدائه.
ثم من هؤلاء من كان يحب انتصار الرسول في الباطن، ومنهم من كان يحب انتصار المشركين، ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين. هؤلاء هم المنافقون وقد عامل الرسول كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به الله.
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة.
وقد ورت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص، قيل: انهم بنو قريظة، وقيل: انهم بنو النضير، وقيل: انهم بنو قينقاع، وقيل: انهم الاعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين. وقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله اكثر من مرة، كما تكرر نقض المشركين من العرب لعهودهم. والمهم ان نعلم ان هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها.
﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ﴾ ان شر ما يدب على وجه الارض عند الله في حكمه وعدله هم الكفار المصرون على كفرهم، الذين عقدت معهم العهود والمواثيق، ولا يزالون ينقضونها مرة بعد مرة. وقد تكرر ذلك من اليهود، فقد روي عن ابن عباس ان المقصودين بنو قريظة.. نقضوا عهد رسول الله، وأعانوا عليه بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا نسينا وأخطأنا. فعاهدهم مرة ثانية فنقضوا العهد ومالأوا الكفار على رسول الله يوم الخندق. وقد ركب زعيمهم كعب بن الاشرف الى مكة فحالفهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿... وهم لا يتقون ﴾ اي لا يتقون الله في نقض العهد، ولا يردعهم عن ذلك خوف من نقمته وعذابه.
وبعد ان بين تعالى انهم قد تكرر منهم نقض العهد، ذكر ما يجب ان يعاملوا به قال:
﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ فإن تدرك أيها الرسول، هؤلاء الناقضين لعهدهم في الحرب ظافرا بهم، فنكل بهم تنكيلا يسوؤهم ويخيف من وراءهم من الاعداء، ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لعل من خلفهم من الأعداء يذكرون ذلك النكال فيمنعهم من نقض العهد والقتال.
﴿ إن الله لا يحب الخائنين ﴾ ان الخيانة مبغوضة بجميع ضروبها، فأبعدوا عنها ايها المؤمنون.
روى البيهقي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء، من عاهدته فوف بعهده، مسلما كان او كافرا، فإنما العهد لله. ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها، مسلما كان او كافرا. ومن ائتمنك على أمانة فأدها اليه، مسلما كان او كافرا ".
وبعد هذا أنذر الله أولئك الخائنين مما سيحل بهم من عقاب فقال:
﴿ ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ﴾ ولا يظن الذين كفروا انهم قد نجوا من جزاء خيانتهم وغدرهم، فهم لا يعجزون الله ولن يعجزوه، ولا يفوقونه في مكرهم أبدا، بل هو القادر وحده، وسيجزيهم بقوته وعدله.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: " ولا يحسبن " بالياء والباقون: " ولا تحسبن " بالتاء، وقرأ ابن عامر " أنهم لا يعجزون " بفتح الهمزة، والباقون بكسرها.
بعد ذلك بين الله تعالى ان الاستعداد بما فيه القدرة والطاقة فريضة تصاحب فريضة الجهاد، والاستعداد انفى للاعتداء.