تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

[النحل: 128]. أو عن الصالحين أو الظالمين، ونحو ذلك من الأسماء العامة الجامعة التي قد يتعسر أو يتعذر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه، إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه، وقد يستدل به على نظائره: فإن الظالم لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور. والمتقصد هو فاعل الواجب وتارك المحرم. والسابق هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه. فيقول المجيب بحسب حاجة السائل: الظالم الذي يفوت الصلاة، أو الذي لا يسبغ الوضوء، أو الذي لا يتم الأركان ونحو ذلك. والمقتصد الذي يصلي في الوقت - كما أمر - والسابق بالخيرات الذي يصلي الصلاة بواجباتها ومستحباتها ويأتي بالنوافل المستحبة معها. وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، فمن ادعى علمه فهو كاذب، والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة.

وإن كان من الناس من غير السنة، فمن الناس من غير بعض معاني القرآن - إذ لم يتمكن من تغيير لفظه. وأيضا فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن، كما خفى عليه بعض السنة، فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب، والله أعلم.

وتقدم في مقدمة الكتاب بسط لهذا البحث فارجع إليه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا في تحقيق هذه الآية:

كل عبد مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم. فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلا به، فمن فاته هذا الهدى فهو: إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين؛ وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدي الله

من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا

[الكهف: 17]. فإن الصراط المستقيم: أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نهيت عنه. وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم: ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهى عنه؛ وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة لفعل المأمور؛ وكراهة لترك المحظور. والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن والإسلام وطرق العبودية، وكل هذا حق، فهو موصوف بهذا وبغيره، فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته؛ بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر، فإن الله يرزقه، وإن انقطع رزقه مات - والموت لا بد منه - فإن كان من أهل الهداية، كان سعيدا بعد الموت، وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية، فكيون رحمة في حقه. وكذلك النصر - إذا قدر أنه قهر وغلب حتى قتل - فإذا كان من أهل الهداية إلى الاستقامة مات شهيدا، وكان القتل من تمام نعمة الله عليه. فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما، فلهذا كان هذا الدعاء مفروضا عليهم في الصلوات - فرضها ونفلها - وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر؛ لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين

ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب

[الطلاق: 2-3] وكان من المتوكلين

ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره

[الطلاق: 3]، وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن ينصر الله ينصره وكان من جند الله، وجند الله هم الغالبون. فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر. فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب تحصل به كل منفعة، وتندفع به كل مضرة.

فائدة

الصراط المستقيم أصله الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ويستعار لكل قول أو عمل يبلغ به صاحبه الغاية الحميدة. فالطرق الواضح للحس، كالحق للعقل، في أنه: إذا سير بهما أبلغا السالك النهاية الحسنى.

محاسن التأويل · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧