68.48-50
﴿ فاصبر لحكم ربك ﴾ وهو إمهالهم، وتأخير ظهورك عليهم. أي: لا يثنيك، عن تبليغ ما أمرت به أذاهم وتكذيبهم، بل امض صابرا عليه ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ يعني: يونس عليه السلام ﴿ إذ نادى ﴾ أي: دعا ربه في بطن الحوت ﴿ وهو مكظوم ﴾ أي: مملوء غيظا وغما. والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والونى عن التبليغ، فتبتلى ببلائه ﴿ لولا أن تداركه نعمة من ربه ﴾ وهو قبول توبته ورحمته، تضرعه وابتهاله ﴿ لنبذ بالعرآء وهو مذموم ﴾ قال الزمخشري: يعني: أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذم. والعراء: الفضاء من الأرض.
﴿ فاجتباه ربه ﴾ أي: برحمته. قال القاشاني: لمكان سلامة فطرته، وبقاء نور استعداده، وعدم رسوخ الهيأة الغضبية، والتوبة عن فرطات النفس، فقربه تعالى إليه ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي: لمقام النبوة والرسالة.
68.51-52
﴿ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال الزمخشري: يعني أنهم من شدة تحديقهم، ونظرهم إليك شزرا، بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك، أو يهلكونك من قولهم: (نظر إلي نظرا يكاد يصرعني، ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل، لفعله. قال:
يتقارضون، إذا التقوا في موطن
نظرا يزل مواطئ الأقدام
وأنشد ابن عباس - وقد مر بأقوام حددوا النظر إليه:
نظروا إلي بأعين محمرة
نظر التيوس إلى شفار الجازر
وبين تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أي: القرآن معاداة لحكمته. ﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ أي: من الهذيان الذي يهذي به في جنونه؛ لعدم تمالك أنفسهم من الحسد منه، والتنفير عنه.
﴿ وما هو إلا ذكر للعالمين ﴾ أي: عظة وحكمة وتذكير وتنبيه لهم، على ما في عقولهم وفطرهم من التوحيد. فكيف يجنن من جاء بمثله؟ وبالله التوفيق.