تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61.4

﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ﴾ قال القاشاني: لأن بذل النفس في سبيل الله لا يكون إلا عند خلوص النفس في محبة الله، إذ المرء إنما يحب كل ما يحب من دون الله لنفسه. فأصل الشرك ومحبة الأنداد: محبة النفس، فإذا سمح بالنفس، كان غير محب لنفسه، وإذا لم يحب نفسه فبالضرورة لم يحب شيئا من الدنيا. وإذا كان بذله للنفس في الله وفي سبيله لا للنفس، كما قال - ترك الدنيا للدنيا - كانت محبة الله في قلبه راجحة على محبة كل شيء، فكان من الذين قال فيهم:

والذين آمنوا أشد حبا لله

[البقرة: 165] وإذا كان كذلك يلزم محبة الله إياهم؛ لقوله:

يحبهم ويحبونه

[المائدة: 54] انتهى.

تنبيهات

الأول: في ذكر هذه الآية عقيب مقت المخلف دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار، فلم يفوا. انتهى.

وأيده الناصر من الوجهة البيانية بأن الأول كالبسطة العامة لهذه القصة الخاصة، كقوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي

[الحجرات: 1 - 2] فالنهي العام ورد أولا. والمقصود اندراج هذا الخاص فيه، كما تقول للمقترف جرما معينا؛ لا تفعل ما يلصق العار بك، ولا تشاتم زيدا. وفائدة مثل هذا النظم: النهي عن الشيء الواحد مرتين، مندرجا في العموم ومفردا بالخصوص. وهو أولى من النهي عنه على الخصوص مرتين فإن ذلك معدود في حيز التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل. انتهى.

الثاني: في (الإكليل): قال إلكيا الهراسي: يحتج بقوله تعالى:

لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون

[الصف: 2- 3]: في وجوب الوفاء بالنذر، ونذر اللجاج. قال غيره: والوعود. انتهى.

وقال ابن كثير: هو إنكار على من يعد وعدا، أو يقول قولا لا يفي به؛ ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا. واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان "

ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى:

كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون

[الصف: 3].

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:

" أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعال أعطك. فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: تمرا. فقال: " أما إنك لو لم تفعلي، كتبت عليك كذبة " ".

وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه إذا تعلق بالوعد عزم على الموعود، وجب الوفاء به، كما قال لغيره: تزوج ولك علي كل يوم كذا. فتزوج. وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي.

وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى:

ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا

[النساء: 77] وقال تعالى:

ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت...

[محمد: 20] الآية، وهكذا هذه الآية معناها كما قال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين، قبل أن يفرض الجهاد، يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به بلا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان، ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فأنزل الله:

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٣٩