تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61.9

﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ﴾ قال ابن جرير: أي على كل دين سواه. وذلك عند نزول عيسى ابن مريم وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام.

وقال الزمخشري: أي ليعليه على جميع الأديان المخالفة له. ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وتقدم في آخر سورة الفتح في مثل هذه الآية تحقيق آخر، فليراجع.

﴿ ولو كره المشركون ﴾ أي: لما فيه من محض التوحيد، وإبطال الشرك.

61.10-13

﴿ يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله ﴾ أي: إيمانا يقينا لا يشوبه أدنى شك ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أي: من أهل العلم. أو أنه خير. فإن قيل: إن ذلك خير بنفسه علموا أولا، وأيضا أن علمهم محقق، إذ الخطاب مع المؤمنين فالجواب ما قاله الناصر: أن الشرط ليس على حقيقته، بل هو من وادي قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين

[البقرة: 278] والمقصود بهذا الشرط: التنبيه على المعنى الذي يقتضي الامتثال، وإلهاب الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر. تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير. انتهى.

وقوله تعالى: ﴿ يغفر لكم ذنوبكم ﴾ جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو لشرط أو استفهام، دل عليه الكلام تقديره: إن تؤمنوا وتجاهدوا. أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم ﴿ ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ أي: بساتين إقامة لا ظعن عنها ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ أي: النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها، ﴿ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ﴾ أي: عاجل. وهو فتح مكة. وهذا يدل على أن السورة نزلت قبل فتح مكة بقليل. وكان القصد منها تشجيع المؤمنين على قتال محاربيهم، والثبات أمامه، والتحذير عن الزيغ عن ذلك، والترغيب في السخاوة ببذل الأنفس والأموال في سبيل الحق؛ لإعلاء شأنه، وإزهاق الباطل.

و ﴿ وأخرى ﴾ مفعول لمقدر معطوف على الجوابين قبله، وهو جواب ثالث. أي: ويؤتكم أخرى أو صفة لمبتدأ مقدر، وخبره محذوف، وهو ﴿ لكم ﴾. أي: ولكم إلى هذه النعمة المذكورة، نعمة أخرى عاجلة محبوبة، وهي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح قريب يعجله لكم.

﴿ وبشر المؤمنين ﴾ أي: بنصره تعالى لهم وفتحه، ومن منع من النحاة عطف الإنشاء على الخبر يقول: ﴿ وبشر ﴾ معطوف على ﴿ تؤمنون ﴾؛ لأنه بمعنى آمنوا. وضعف بأن المخاطب ب ﴿ تؤمنون ﴾ المؤمنون، و ب ﴿ وبشر ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن ﴿ تؤمنون ﴾ بيان لما قبله، و ﴿ وبشر ﴾ لا يصلح لذلك. وأجيب بأنه لا مانع من العطف على الجواب، ما هو زيادة عليه إذا ناسبه. وهذا أولى الوجوه عند صاحب (الكشف)، كتقدير: أبشر يا محمد، و (بشر)، وتقدير (قل) قبل ﴿ يا أيها ﴾. وجعل ﴿ وبشر ﴾ أمرا بمعنى الخبر، كما في قوله أبطئي أو أسرعي.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٤٤