تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2].

وقيل: كان المسلمون يقولون: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لأتيناه، ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا، فلما كان يوم أحد، تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى شج وكسرت رباعيته، فأنزل الله:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2] روي ذلك عن مقاتل بن حيان.

وقيل: نزل هذا توبيخا لقوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. يقولون: لو خرجتم خرجنا معكم وكنا في نصركم، وفي وفي...... روي ذلك عن ابن زيد.

وكل المروي هنا مما تشمله الآية.

وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم منا أحد، فأرسل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة - يعني سورة الصف - كلها. ولفظ ابن أبي حاتم عن عبد الله ابن سلام؛ أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن ذلك.

قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر رجلا رجلا حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة - الصف - قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها.

وفي رواية ابن أبي حاتم هذه فائدة جليلة: وهي أن قول الصحابي نزلت هذه السورة، بمعنى قرئت في الحادثة، كما بينته الرواية قبله. والروايات يفسر بعضها بعضا. وقد نبهنا على ذلك مرارا.

الثالث: في (الإكليل) في قوله: ﴿ كأنهم بنيان مرصوص ﴾: استحباب قيام المجاهدين في القتال صفوفا كصفوف الصلاة. وأنه يستحب سد الفرج والخلل في الصفوف، وإتمام صف الأول فالأول، وتسوية الصفوف قدما بقدم، لا يتقدم بعض على بعض فيها.

قال ابن أبي الفرس: واستدل بها بعضهم على أن قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان؛ لأن التراص إنما يمكن منهم. قال: وهو ممنوع. انتهى. وفي التشبيه وجهان آخران:

أحدهما: أن يكون المراد الثبات ورسوخ الأقدام في الموقف، تنبيها على أن المتزلزل القدم، والمضطرب في الموقف - دع من يعزم على الفرار - ممن يمقته الله تعالى، ولا تناله محبته.

ثانيهما: أن يكون المعني به اجتماع الكلمة، والاتفاق على تسوية الشأن مع العدو، حتى يكونوا في الاتحاد وموالاة بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص. وقد أشار لهذين الوجهين الرازي. وهما أقرب من الأول؛ لتقويتهما لمعنى طليعة السورة من الثبات على الوعد والوفاء به، والعتب على من يخلف فيه، كما تقدم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٤٠