تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الرازي: وحاصل قول أبي مسلم أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا وهذا الكلام حسن، ما به بأس. انتهى.

ثانيها: قول بعضهم: إن شبهة مدعي النسخ ذهابهم إلى أن الأمر بتقديم الصدقة للوجوب. وتأكد ذلك بقوله بعده:

فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم

[المجادلة: 12] وقوله: ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴾ فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه. والجواب: أن لا قاطع في كون الأمر للوجوب، بل الظاهر أنه للندب: ويدل عليه أمور:

الأول: أنه تعالى قال:

ذلك خير لكم وأطهر

[المجادلة: 12] وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض.

والثاني: أنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو ﴿ ءأشفقتم أن تقدموا... ﴾ إلى آخر الآية.

والثالث: أن قوله تعالى:

﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ﴾ إلخ، معناه إن لم تفعلوا ما ندبتم إليه من تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول، والحال أن الله قد رجع إليكم بالتخفيف والتسهيل فيما شرعه لكم، فلم يعاملكم كما كان يعامل الأمم السابقة، ولم يعنتكم بشيء مما أوجبه عليكم؛ فكذا ندبكم إلى هذا الأمر، ولم يجعله عليكم فرضا، كما هي سنته في معاملتكم بالرأفة والرحمة، ﴿ فأقيموا الصلاة... ﴾ إلخ فقوله: ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ قد ورد هنا بمعنى الرجوع إلى التخفيف والتسهيل على هذه الأمة، والعدول عن معاملتها كسابقيها، لا بمعنى التجاوز عن السيئات وغفران الذنوب. وقد ورد بذلك المعنى أيضا في آية أخرى في سورة المزمل، وهي قوله تعالى:

علم أن لن تحصوه فتاب عليكم

[المزمل: 20] أي: رجع إليكم بالتخفيف، ورفع عنكم ما يشق عليكم. وليس معناه في هاتين الآيتين العفو عن الذنوب، إذ لا ذنب هنا صدر منهم.

هذا ملخص ما حققه من ذهب إلى امتناع النسخ. والحق لا تخفى قرته، وسكون النفس إليه - وبالله التوفيق.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٠٨