52.32-34
﴿ أم تأمرهم أحلامهم بهذآ ﴾ أي: عقولهم بهذا التناقض في القول، ﴿ أم ﴾ أي: بل ﴿ هم قوم طاغون ﴾ أي: مجاوزون الحد في العناد، مع ظهور الحق ﴿ أم يقولون تقوله ﴾ أي: اختلق هذا القرآن من عند نفسه، ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ أي: لا يريدون أن يؤمنوا حسدا وتقليدا، فلذلك يرمونه بتلك الفرى. ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ أي: في الهداية بذاك الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة، كقوله:
قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه
[القصص: 49] ﴿ إن كانوا صادقين ﴾ أي: في زعمهم، فإنهم من أهل لسان الرسول صلوات الله عليه، ولا يتعذر عليهم مضاهاة بعضهم لبعض، في ميدان التساجل والتراسل.
52.35-43
﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ قال ابن جرير: أي: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ولا أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا يفهمون لله حجة، ولا يعتبرون له بعبرة، ولا يتعظون بموعظة. وقد قيل: إن معنى ذلك: أم خلقوا لغير شيء، كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، بمعنى: لغير شيء ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أي: أنفسهم، أو هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهاهم عنه؛ لأن للخالق الأمر والنهي ﴿ أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ﴾ أي: بوعيد الله، وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة؛ فلذلك فعلوا ما فعلوا. ﴿ أم عندهم خزآئن ربك ﴾ أي: خزائن رزقه، فهم لاستغنائهم معرضون ﴿ أم هم المصيطرون ﴾ أي: الجبابرة المتسلطون.
﴿ أم لهم سلم ﴾ أي: مرتقى إلى السماء ﴿ يستمعون فيه ﴾ أي: الوحي، فيدعون أنهم سمعوا هنالك من الله أن الذي هم عليه حق. ﴿ فليأت مستمعهم بسلطان مبين ﴾ أي: بحجة واضحة تصدق دعواه ﴿ أم له البنات ولكم البنون ﴾ أي: حيث جعلوا، لسفاهة رأيهم، الملائكة إناثا، وأنها بناته تعالى، مع أنه
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم
[النحل: 58] ﴿ أم تسألهم أجرا ﴾ أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله تعالى، ﴿ فهم من مغرم ﴾ أي: من التزام غرامة ﴿ مثقلون ﴾ أي: من أدائه، حتى زهدهم ذلك في اتباعك ﴿ أم عندهم الغيب فهم يكتبون ﴾ أي: منه ما شاؤوا، وينبئون الناس عنه بما أرادوا ﴿ أم يريدون كيدا ﴾ أي: بالرسول وما جاء به، ﴿ فالذين كفروا هم المكيدون ﴾ أي: الممكور بهم دونك، فثق بالله، وامض لما أمرك به ﴿ أم لهم إله غير الله ﴾ أي: له العبادة على جميع خلقه ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ أي: تنزيها له عن شركهم، وعبادتهم معه غيره.