28805- عن محمد بن مزاحم: أن عمر بن الخطاب كان استعمل بعد موت أبى عبيدة بن الجراح على حمص عمير بن سعد الأنصارى فأقام بها سنة فكتب إليه عمر بن الخطاب: إنا بعثناك على عمل من أعمالنا فما ندرى أوفيت بعهدنا أم خنتنا فإذا جاءك كتابى هذا فانظر ما اجتمع عندك من الفىء فاحمله إلينا والسلام. فقام عمير حين انتهى إليه الكتاب فحمل عكازته وعلق فيها إداوته وجرابه فيه طعامه وقصعته فوضعها على عاتقه حتى دخل على عمر فسلم فرد عليه السلام - وما كاد أن يرد - فقال: يا عمير ما لى أرى بك من سوء الحال أمرضت بعدى أم بلادك سوء أم هى خديعة منك
لنا فقال عمير: ألم ينهك الله عن التجسس ما ترى فى سوء الحال ألست طاهر الدم صحيح البدن قد جئتك بالدنيا أحملها على عاتقى قال: يا أحمق وما الذى جئت به من الدنيا قال: جرابى فيه طعامى، وإداوتى فيها وضوئى وشرابى، وقصعتى فيها أغسل رأسى، وعكازتى بها أقاتل عدوى وأقتل بها حية إن عرضت لى قال صدقت يرحمك الله فما فعل المسلمون قال: تركتهم يوحدون ويصلون، ولا تسأل عما سوى ذلك، قال: فما فعل المعاهدون قال: أخذنا منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، قال فما فعلت فيما أخذت منهم وما أنت وذاك يا عمر اجتهدت واختصصت نفسى ولم آل أنى لما قدمت بلاد الشام وجمعت من بها من المسلمين فاخترنا منهم رجلا فبعثناهم على الصدقات فنظرنا إلى ما اجتمع فقسمناه بين المهاجرين وبين فقراء المسلمين، فلو كان عندنا فضل لبلغناك، فقال: يا عمير جئت تمشى على رجليك أما كان فيهم رجل يتبرع لك بدابة فبئس المسلمون وبئس المعاهدون أما إنى سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: ليلينهم رجال إن هم سكتوا أضاعوهم، وإن هم تكلموا قتلوهم وسمعته يقول: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم فقال: يا عبد الله بن عمر هات صحيفة نجدد لعمير عهدا، قال: لا والله لا أعمل لك على شىء أبدا: قال: لم قال: لأنى لم أنج، وما نجوت لأنى قلت لرجل من أهل العهد: أخزاك الله وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أنا ولى خصم المعاهد واليتيم، ومن خاصمته خصمته. فما يؤمننى أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - خصمى يوم القيامة، ومن خاصمه خصمه، فقام عمر وعمير إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمير: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر ماذا لقيت بعدكما اللهم الحقنى بصاحبى لم أغير ولم أبدل وجعل يبكى عمر وعمير طويلا، فقال: عمير الحق بأهلك، ثم قدم على عمر مال من الشام فدعا رجلا من أصحابه يقال له حبيب فصر مائة دينار
فدفعها إليه فقال: ائت بها عميرا وأقم ثلاثة أيام ثم ادفعها إليه وقل: استعن بها على حاجتك - وكان منزله من المدينة مسيرة ثلاثة أيام - وانظر ما طعامه وما شرابه فقدم حبيب فإذا هو بفناء بابه يتفلى، فسلم عليه فقال: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، قال: عليك وعليه السلام، قال: كيف تركت أمير المؤمنين قال: صالحا، قال: لعله يجور فى الحكم قال: لا، قال: فلعله يرتشى قال: لا، قال: فلعله يضع السوط فى أهل القبلة، قال: لا إلا أنه ضرب ابنا له فبلغ به حدا فمات فيها، اللهم اغفر لعمر فإنى لا أعلم إلا أنه يحبك ويحب رسولك ويحب أن يقيم الحدود، فأقام عنده ثلاثة أيام يقدم إليه كل ليلة قرصا بإدامه زيت، حتى إذا كان اليوم الثالث قال: ارحل عنا فقد أجعت أهلنا، إنما كان عندنا فضل آثرناك به، فقال: هذه الصرة أرسل بها إليك أمير المؤمنين أن تستعين بها على حاجتك، فقال: هاتها، فلما قبضها عمير قال: صحبت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلم أبتل بالدنيا، وصحبت أبا بكر فلم أبتل بالدنيا، وصحبت عمر وشر أيامى يوم لقيت عمر - وجعل يبكى، فقالت امرأته من ناحية البيت: لا تبك يا عمير ضعها حيث شئت: فاطرحى إلى بعض خلقانك فطرحت إليه بعض خلقانها فصر الدنانير بين أربعة وخمسة وستة فقسمها بين الفقراء وابن السبيل حتى قسمها كلها، ثم قدم حبيب على عمر فأخبره الخبر، قال ما فعلت الدنانير قال: فرقها كلها، قال: فلعل على أخى دينا قال: فاكتبوا إليه حتى يقبل إلينا، فقدم عمير على عمر، فسأله فقال: يا عمير ما فعلت الدنانير قال: قدمتها لنفسى وأقرضتها ربى، وما كنت أحب أن يعلم بها أحد، قال: يا عبد الله بن عمر قم فارحل له راحلة من تمر الصدقة فأعطها عميرا، وهات ثوبين فتكسوهما إياه فقال عمير: أما الثوبان فنقبلهما، وأما التمر فلا حاجة لنا فيه. فإنى تركت عند أهلى صاعا من تمر وهو يبلغهم إلى يوم ما، قال: فانصرف عمير إلى منزله فلم يلبث إلا قليلا حتى