" بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة "
وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم فقال ﴿ والذين جآءوا من بعدهم ﴾ يعني التابعين ويقال يعني الذين هاجروا من بعد الأولين ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن ﴾ يعني أظهروا الإيمان قبلنا يعني المهاجرين والأنصار ﴿ ولا تجعل فى قلوبنا غلا ﴾ يعني غشا وحسدا وعداوة ﴿ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ﴾ يعني رحيم بعبادك المؤمنين وفي الآية دليل أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ في المسلمين وله أجر مثل أجر الصحابة ومن شتم أو لم يترحم عليهم أو كان في قلبه غل لهم ليس له حظ في المسلمين لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ ثم ذكر الأنصار ثم ذكر الذين جاؤوا من بعدهم وقد وصفهم الله بصفة الأولين إذ دعا لهم وفي الآية دليل أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين ثم نزل في شأن المنافقين.
59.11-17
فقال عز وجل ﴿ ألم تر إلى الذين نفقوا ﴾ يعني منافقي المدينة ﴿ يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب ﴾ يعني من بني النضير ﴿ لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ﴾ يعني ولا نطيع محمدا - صلى الله عليه وسلم - في خذلانكم ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ يعني لنعينكم ﴿ والله يشهد إنهم لكذبون ﴾ في مقالتهم وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم فقال الله تعالى ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ﴾ يعني لئن أخرج بنو النضير لا يخرج المنافقين معهم ﴿ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ﴾ يعني لا يمنعونهم من ذلك ﴿ ولئن نصروهم ليولن الأدبر ﴾ يعني ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك ولئن نصروهم ليولن الأدبار يعني رجعوا منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ ثم لا يثبتون يعني لا يمنعون من الهزيمة ثم قال عز وجل ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ يعني أنتم يا معشر المسلمين أشد رهبة ﴿ فى صدورهم من الله ﴾ يعني خوفهم منكم أشد من عذاب الله في الآخرة ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ يعني لا يعقلون أمر الله تعالى ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب فقال عز وجل ﴿ لا يقتلونكم جميعا ﴾ يعني لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم ﴿ إلا فى قرى محصنة ﴾ يعني حصينة ﴿ أو من وراء جدر ﴾ يعني يقاتلونكم من وراء جدر فحذف الألف وهو جمع الجدار قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء بالألف والباقون وراء جدر بحذف الألف وهو جماعة وممن قرأ جدار فهو واحد يريد به الجمع ثم قال ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ يعني قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد وأما مع المؤمنين فلا ثم قال ﴿ تحسبهم جميعا ﴾ يعني تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة. ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ يعني قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة ﴿ ذلك بأنهم ﴾ يعني ذلك الاختلاف بأنهم ﴿ قوم لا يعقلون ﴾ يعني لا يعقلون أمر الله تعالى ثم ضرب لهم مثلا فقال عز وجل ﴿ كمثل الذين من قبلهم ﴾ يعني مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم يعني أهل بدر ﴿ قريبا ﴾ يعني كان قتال بدر قبل ذلك بقريب وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا ﴿ ذاقوا وبال أمرهم ﴾ يعني عقوبة ذنبهم ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ يعني عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم ﴿ كمثل الشيطن إذ قال للإنسن اكفر ﴾ يعني برصيصا الراهب وروى عدي بن ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم فيبرؤون على يديه وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له حتى قتلها ودفنها ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في صورة رجل حتى لقي أحدا من أخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في مكان كذا فبلغ ذلك ملكهم فسار الملك مع الناس فأتوه فاستنزلوه من الصومعة فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على خشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل لك أن تطيعني فيما أقول لك وأخلصك مما أنت فيه فقال نعم قال اسجد لي سجدة واحدة فسجد له فذلك قوله كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر يعني اسجد ﴿ فلما كفر ﴾ يعني سجد ﴿ قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العلمين ﴾ قال ذلك على وجه الاستهزاء كذلك المنافقون خذلوهم اليهود كما خذل الشيطان الراهب ﴿ فكان عقبتهما ﴾ يعني عاقبة الشيطان والراهب ﴿ أنهما فى النار خلدين فيها ﴾ يعني مقيمين فيها وكان ابن مسعود يقرأ (خالدان فيها) وقراءة العامة بعده خالدين فيها بالنصب وإنما هو نصب على الحال ﴿ وذلك جزاء الظلمين ﴾ يعني الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين.