تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال تعالى ﴿ أو لم يروا ﴾ يعني أو لم يعتبروا ويتفكروا، ويقال أولم يخبروا ﴿ أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر ﴾ يعني: لم يعجز عن خلق السماوات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى، ويقال: ﴿ ولم يعى بخلقهن ﴾ يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعي بخلقهن بقادر ﴿ على أن يحيي الموتى بلى ﴾ لأنهم كانوا مقرين بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى بأن الذي كان قادرا على خلق السماوات والأرض، يكون قادرا على إحيائهم بعد الموت، ثم قال ﴿ بلى ﴾ يعني: هو قادر على البعث ﴿ إنه على كل شىء قدير ﴾ من الإحياء والبعث ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ﴾ يعني: يكشف الغطاء عنها، ويقال يساق الذين كفروا إلى النار، ويقال لهم ﴿ أليس هذا بالحق ﴾ يعني: أليس هذا العذاب الذي ترون حقا وكنتم تكذبون به ﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ إنه الحق، (وربنا) هو الله، ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ينفعهم إقرارهم، قال فيقال لهم ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي تجحدون ﴿ فاصبر ﴾ يا محمد يعني: اصبر على أذى أهل مكة وتكذيبهم ﴿ كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر كما صبر نوح، وكما صبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وقال السدي: أولو العزم: الذين أمروا بالقتال من الرسل، وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل كانوا ثلاثة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر كما صبروا وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبيا في بيت المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم يخرجوا، فقال الله تعالى يمضي العذاب عليكم مع قومكم، فتشاوروا فاختاروا هلاك أنفسهم بينهم ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ يعني: لا تستعجل لهم بالعذاب ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون ﴾ يعني: العذاب قد أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال، ويقال: في الآية تقديم وتأخير، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة في الدنيا، يعني: إذا أتاهم ذلك اليوم يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل فذلك قوله: ﴿ لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ﴾ يعني: من نهار الدنيا، ويقال يعني: في القبور، وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون حين يظنون أنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ثم قال: ﴿ بلاغ ﴾ يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، فإذا بلغوا أجلهم ذلك ﴿ فهل يهلك إلا القوم الفسقون ﴾ يعني هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون، ويقال معناه: لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون، ويقال: بلاغ يعني: هذا الذي ذكر بلاغ أي تمام العظة، ويقال هو من الإبلاغ، أي هذا إرسال وبيان لهم كقوله ﴿ هذا بلغ للناس ﴾.

والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

بحر العلوم · الصفحة ١٠٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٠٩١