[الرحمن: 39] وقال في آية أخرى:
فوربك لنسألنهم أجمعين
[الحجر: 92]، وكما قال في آية أخرى لا يتكلمون، وفي آية أخرى أنهم يتكلمون ونحو هذا كثير في القرآن، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" لا تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى تتخاصم الروح والجسد، فيقول الجسد إنما كنت بمنزلة جزع ملقى، لا أستطيع شيئا، وتقول الروح إنما كنت ريحا لا أستطيع أن أعمل شيئا، فضرب لهما مثل الأعمى والمقعد، فحمل الأعمى المقعد فيدله المقعد ببصره ويحمله الأعمى برجليه "
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أنس قال: سألت أبا العالية عن قوله: ﴿ لا تختصموا لدى ﴾ ثم قال ﴿ ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون ﴾ فكيف هذا؟ قال: أما قوله ﴿ لا تختصموا لدى ﴾ فهو لأهل الشرك، وأما قوله ﴿ ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون ﴾ فهو لأهل القبلة، يختصمون في مظالم ما بينهم.
39.32-37
قال تعالى: ﴿ فمن أظلم ممن كذب على الله ﴾ أي فلا أحد أظلم ممن كذب على الله بأن معه شريكا ﴿ وكذب بالصدق إذ جاءه ﴾ يعني بالقرآن وبالتوحيد، ويقال ﴿ وكذب بالصدق ﴾ يعني بالصادق وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ أليس فى جهنم مثوى للكفرين ﴾ يعني مأوى للذين يكفرون بالقرآن، فاللفظ: لفظ الاستفهام والمراد به التحقيق كقوله
أليس الله بأحكم الحكمين
[التين: 8] ﴿ والذى جاء بالصدق وصدق به ﴾ أي بالقرآن وصدق به أي أصحابه ويقال وصدق به المؤمنون، وقال القتبي ﴿ والذى جاء بالصدق وصدق به ﴾ هو في موضع جماعة ومعناه: والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به، وهذا موافق لخبر ابن مسعود، وقال قتادة، والشعبي، ومقاتل، والكلبي ﴿ والذى جاء بالصدق ﴾ يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وصدق به ﴾ يعني المؤمنون، وذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال ﴿ والذى جاء بالصدق ﴾ يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وصدق به ﴾ يعني أبو بكر ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ الذين اتقوا الشرك، والفواحش، وقرأ بعضهم وصدق بالتخفيف، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على الناس كما أنزل عليه ولم يزد في الوحي شيئا، ولم ينقص من الوحي شيئا ﴿ لهم ما يشآءون عند ربهم ﴾ يعني لهم ما يريدون ويحبون في الجنة ﴿ ذلك جزاء المحسنين ﴾ أي ثواب الموحدين المطيعين المخلصين ﴿ ليكفر الله عنهم ﴾ يعني ليمحو عنهم ويغفر لهم ﴿ أسوأ الذى عملوا ﴾ يعني أقبح ما عملوا مخالفا للتوحيد ﴿ ويجزيهم أجرهم ﴾ أي ثوابهم ﴿ بأحسن الذى كانوا يعملون ﴾ يعني يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوىء لأنه ليس لهم ذنب ولا خطايا فلا يجزيهم بمساوئهم ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ قرأ حمزة، والكسائي عباده بالألف بلفظ الجماعة، يعني الذين صدقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن، والباقون عبده بغير ألف، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ يعني بالذين يعبدون من دونه وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزال تقع في آلهتنا فاتق كيلا يصيبك منها معرة، أو سوء، فنزل ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ الآية، وروى معمر عن قتادة قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها، فمشى إليها بالفأس فقالت له قيمتها يا خالد: احذر فإن لها شدة، لا يقوم لها أحد، فمشى إليها خالد فهشم أنفها بالفأس، ويقال أليس الله بكاف عبده يعني الأنبياء ثم قال ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ يعني من يخذله الله عن الهدى فما له من مرشد ولا ناصر ﴿ ومن يهد الله فما له من مضل ﴾ أي ليس له أحد يخذله ﴿ أليس الله بعزيز ذى انتقام ﴾ يعني عزيزا في ملكه ذي انتقام من عدوه.