22.52-57
شرح الكلمات:
من رسول ولا نبي: الرسول ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بابلاغه والنبي مقرر لشرع من قبله.
تمنى في أمنيته: أي قرأ في أمنيته، أي في قراءته.
ثم يحكم الله آياته: أي بعد إزالة ما ألقاه الشيطان في القراءة بحكم الله آياته أي يثبتها.
فتنة للذين في قلوبهم مرض: أي اختبارا للذين في قلوبهم مرض الشرك والشك.
والقاسية قلوبهم: هم المشركون.
فتخبت له قلوبهم: أي تتطامن وتخشع له قلوبهم.
في مرية منه: أي في شك منه وريب من القرآن.
عذاب يوم عقيم: هو عذاب يوم بدر إذ كان يوما عقيما لا خير فيه.
في جنات النعيم: أي جنات ذات نعيم لا يبلغ الوصف مداه.
فلهم عذاب مهين: أي يهان فيه صاحبه فهو عذاب جثماني نفساني.
معنى الآيات:
بعد التسلية الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنها قوله تعالى:
وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح..
[الحج: 42] الخ ذكر تعالى تسلية ثانية وهي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة في صلاته سورة النجم والمشركون حول الكعبة يسمعون فلما بلغ قوله تعالى:
أفرأيتم اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20] ألقى الشيطان في مسامع المشركين الكلمات التالية: " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى " ففرح المشركون بما سمعوا ظنا منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها وأن الله أنزلها فلما سجد في آخر السورة سجدوا معه إلا رجلا كبيرا لم يقدر على السجود فأخذ حثية من تراب وسجد عليها وشاع أن محمدا قد اصطلح مع قومه حتى رجع المهاجرون من الحبشة فكرب لذلك رسول الله وحزن فأنزل الله تعالى هذه الآية تسلية له فقال: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ﴾ ذي رسالة يبلغها ولا نبي مقرر لرسالة نبي قلبه ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ أي قرأ ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ أي في قراءته ﴿ فينسخ الله ﴾ أي يزيل ويبطل ﴿ ما يلقي الشيطان ﴾ من كلمات في قلوب الكافرين أوليائه ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ بعد إزالة ما قاله الشيطان فيثبتها فلا تقبل زيادة ولا نقصانا، والله عليم بخلقه وأحوالهم وأعمالهم لا يخفى عليه شيء من ذلك حكيم في تدبيره وشرعه هذه سنته تعالى في رسله وأنبيائه، فلا تأس يا رسول الله ولا تحزن ثم بين تعالى الحكمة في هذه السنة فقال: ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان ﴾ أي من كلمات في قراءة النبي أو الرسول ﴿ فتنة للذين في قلوبهم مرض ﴾ الشك والنفاق ﴿ والقاسية قلوبهم ﴾ وهم المشركون ومعنى فتنة هنا محنة يزدادون بها ضلالا على ضلالهم وبعدا عن الحق فوق بعدهم إذ ما يلقى الشيطان في قلوب أوليائه إلا للفتنة أي زيادة في الكفر والضلال.
وقوله تعالى: ﴿ وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ﴾ هو إخبار منه تعالى عن حال المشركين بأنهم في خلاف لله ورسوله، بعيدون فيما يعتقدونه وما يعملونه وما يقولونه، وما يتصورونه مخالف تمام المخالفة لما يأمر تعالى به ويدعوهم إليه من الاعتقاد والقول والعمل والتصور والإدراك. وقوله تعالى: ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ﴾ هذا جزء العلة التي تضمنتها سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول أو النبي فالجزء الأول تضمنه قوله تعالى: ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ﴾ وهذا هو الجزء الثاني أي ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم ﴾ بالله وآياته وتدبيره ﴿ أنه الحق من ربك ﴾ أي ذلك الإلقاء والنسخ وإحكام الآيات بعده ﴿ فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ﴾ أي تطمئن وتسكن عنده وتخشع فيزدادون هدى. وقوله تعالى: ﴿ وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾ هذا إخبار منه تعالى عن فعله مع أوليائه المؤمنين به المتقين له وأنه هاديهم في حياتهم وفي كل أحوالهم إلى صراط مستقيم يفضي بهم إلى رضاه وجنته، وذلك بحمايتهم من الشيطان وتوفيقهم وإعانتهم على طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ﴿ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ﴾ أي من القرآن هل هو كلام الله هل هو حق هل اتباعه نافع وتستمر هذه المرية والشك بأولئك القساة القلوب أصحاب الشقاق البعيد ﴿ حتى تأتيهم الساعة بغتة ﴾ أي فجأة وهي القيامة ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ أي لا خير فيه لهم وهو يوم بدر وقد تم لهم ذلك وعندها زالت ريبتهم وعلموا أنه الحق حيث لا ينفع العلم.