تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا من غرضنا في هذا الباب. وقد يطلق الكون والمراد به ضروب من الأعراض يجمعها حدّ، وتحتوي عليها حقيقة. فالكون ما أوجب تنصص الجوهر بمكان، أو تقدير مكان. ويندرج تحت هذه الجملة الحركة والسكون والاجتماع، والافتراق، والمماسة على اختلاف فيها. وكل عرض من هذه الأعراض يتضمن تخصيص الجوهر بمكان أو تقدير مكان.

فإن قائل قال: سميتم هذه الضروب أكواناً تلقيباً منكم واصطلاحاً، أم تزعمون أنه اسم لغوي؟

قلنا: ليس ذلك من الاصطلاحات، بل هو من محض اللغة، وذلك أن العرب تقول: كان زيد في الدار، وهو كان في الدار. وليس يعنون بذلك إلا اختصاصه بالذات. وإذا قالوا: زيد كان عندك، أرادوا بذلك اختصاصه بناحيته وجهته. وإذا نفوا كون زيد في الدار، لم يردوا نفي ذاته، بل أرادوا نفي كونه. إذ من المستحيل انتفاء ذاته مع وجودها. فوضح بما قلناه جريان الكون بيعنى الاختصاص بالأماكن والجهات في لغة العرب.

فإن قيل: هل تسمون سائر الأعراض أكواناُ أم تخصصون بالأكوان ما قدمتموه؟

قلنا: ما صار إليه معظم المحققين أن الأكوان هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والمماسة، ولم يطلقوا ذلك على سائر الأعراض. وذهب الأستاذ أبو اسحق إلى تسمية سائر الأعراض أكواناً، ولم يصر في ذلك إلى محض التسمية، بل راعي فيه ضرب من المعنى. وذلك أنه قال: إذا اختص الجوهر بمكان أو تقدير مكان، افتقر في اختصاصه إلى كون يخصصه به. ثم كل عرض مختص بمحل اختصاص الجوهر بمكان، وإنما اختص العرض بالمحل، لكون خصصه، وكونه نفسه.

ولا سبيل إلى أن يقول: اختص الجوهر بحيز لكون، وكونه نفسه. وجرى

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٣٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٣٣٣