ولكنه ذكر حديثاً في ((الصحيحة)) رقم (471) (ص842) بالإسناد نفسه، فأعلّه بعبد ربه ولم يتكلم على أبي عياض، وهذا منه غريبٌ!
ذكر الشيخ شاهداً لحديث الباب أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (1/ 402) من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبدالله بن مسعود: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سواداً، فأججوا ناراً، وأنضجوا ما قذفوا فيها)).
قال الشيخ الألباني: "فيه مجهول هو عبد ربه بن أبي يزيد، وإن وثقه ابن حبان. وقول الهيثمي في ((المجمع)) (10/ 189): "رواه أحمد والطبراني في ((الأوسط))، ورجالهما رجال الصحيح؛ غير عمران داوَر القطان، وقد وُثق"؛ فهو خطأ؛ لأن عبد ربه هذا لم يخرج له البخاري ومسلم شيئاً. وكذلك قول المنذري في ((الترغيب)): (3/ 145): " ... بإسناد حسن"؛ فغير حسن؛ لجهالة المذكور". انتهى كلامه.
قلت: حديث التشهد وهذا الحديث بالإسناد نفسه، فضعف الشيخ الألباني الأول بأبي عياض، ولم يتكلم على عبد ربه! وضعف الثاني بعبد ربه، ولم يتكلم على أبي عياض!!
وقد بينت أن أبا عياض هو تابعي ثقة روى له البخاري ومسلم، وكذلك عبد ربه هذا قال فيه الحافظ ابن حجر "مستور"، وقد تفرد بالرواية عنه قتادة، وقد عرفه ابن عيينة. قال البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) (6/ 77): "عبد ربّه بن أبي يزيد أو ابن يزيد عن أبي عياض. روى عنه قتادة. قال علي: عَرَفَهُ ابن عُيينة، قال: كان يبيع الثياب. نسبه همّام".
وقال الآجُرّي في ((السؤالات)) (2/ 72): سُئِلَ أبو داود عن عبد ربه الذي حدّث عنه قتادة؟ فقال: "حدّثونا عن عليّ، قال: قلت لسفيان -يعني ابن عيينة-: تعرف عبد ربه الذي روى عنه قتادة، هو الذي روى عن أبي عياض؟ قال: نعم، كان جارنا".
قلت: حديثه عن أبي عياض مستقيم، وهو صدوق إن شاء الله.
وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) (5/ 2381) بهذا الحديث، فقال: ((باب ما يتقى من محقرات الذنوب)).
وتعقب الشيخ الألباني على الهيثمي والمنذري مُتَعقبٌ، فالحديث حسن. قال الحافظ في ((فتح الباري)) (11/ 329): "أخرجه أحمد بسندٍ حسنٍ".
قلت: وهذا يرد على ابن حجر نفسه في تجهيله لأبي عياض! فكيف حسّن إسناده وهو يجهله؟!
وقد روي من طريق آخر، رواه عبدالرزاق في ((مصنفه)) (11/ 184) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: ((مثل محقرات الذنوب كمثل قوم سفر نزلوا بأرض قفر معهم طعام لا يصلحهم إلا النار، فتفرقوا فجعل هذا يجيء بالروثة ويجيء هذا بالعظم ويجيء هذا بالعود حتى جمعوا من ذلك ما أصلحوا به طعامهم، فكذلك صاحب المحقرات يكذب الكذبة ويذنب الذنب ويجمع من ذلك ما لعله أن يكبه الله به على وجهه في نار جهنم)).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.