وينبغي تتبع ما نقله أهل العلم من تاريخ البخاري من خلال الروايات الأخرى، كما يفعل ابن عدي والعقيلي، فإنهما يعتمدان روايات أخرى لتاريخ البخاري فيها بعض الزيادات التي تفيد أحياناً، وفيها زيادات عن الرواية الأخيرة للتاريخ، وهي رواية ابن سهل، وكثيراً ما يرجح ما عند ابن سهل إذا كان هناك تعارض بين الروايات. وأما الزيادات التي لا تخالف عما عند ابن سهل في روايته، فلا يضر الأخذ بها والاعتماد عليها.
نقل ابن عدي في ((الكامل)) (5/ 289) في ترجمة ((عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة الأسلمي)) قال: سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: "عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة الأسلمي. مدني. يعدّ في أهل المدينة. سمع عبدالملك بن رافع. روى عنه يزيد بن عمرو الأسلمي. لا يصح حديثه. وعبدالعزيز هذا غير معروف، ولا أعرف له إلا شيئاً يسيراً".
قلت: فهذه الزيادة الأخيرة من رواية ابن حماد الدولابي في جهالة عبدالعزيز مهمة جداً.
ونقل العقيلي في ((الضعفاء)) (3/ 13) في ترجمة ((عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة بن الأكوع)) قال: حدثنا آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري قال: "عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة بن الأكوع. يعد في أهل المدينة. عن عبدالله بن رافع. روى عنه يزيد بن عمرو، ولا يصح حديثه".
قلت: في رواية آدم عن البخاري ذكر البخاري العنعنة ولم يذكر السماع، وهذا يدل على عدم ثبوت السماع في الأصل.
· اعتماد الأئمة على كلام البخاري دون التدقيق في منهجه!
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (5/ 390): "عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة الأسلمي. يعد في أهل المدينة: سمع عبدالله بن رافع. روى عنه يزيد بن عمرو الأسلمي. سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: لا يصح حديثه".
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (7/ 115) فقال: "عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة الأسلمي. يروي عن عبدالله بن نافع. عداده في أهل المدينة. روى عنه يزيد بن عمرو الأسلمي".
وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (9/ 281): "يزيد بن عمرو الأسلمي. روى عن عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة. روى عنه حاتم بن إسماعيل. سمعت أبي يقول ذلك".
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (7/ 625) فقال: "يزيد بن عمرو الأسلمي يروي عن عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة. روى عنه حاتم بن إسماعيل".
قلت: من ينظر في كلام أبي حاتم الرازي وابن حبان لا يتوقع أن حديث يزيد عن عبدالعزيز منقطع كما قال البخاري، وأن عبدالعزيز هذا غير معروف، وغير ذلك من دُرر الإمام البخاريّ، وكلّ هذا بسبب اختصار كلام البخاري وانتحاله مما يوقع في الوهم، فليتنبه.
2 - قد يثبت البخاري السماع للراوي من شيخه ويضعف حديثه، ولكنه لا ينفي سماعه منه؛ وإنما يضعف ما رواه فقط لقرائن يذكرها رحمه الله:
ومن أمثلة ذلك:
قال الإمام البخاري في ((التاريخ الكبير)) (5/ 88): "عبدالله بن رافع بن خديج الحارثي الأنصاري. قال عبدالرحمن بن يونس: حدثنا حاتم بن إسماعيل: سمع يزيد بن عمرو الأسلمي، عن عبدالعزيز بن عقبة بن سلمة، قال: صليت مع عبدالله بن رافع بن خديج العصر بالضُرْبَة، وأهل البادية يؤخرون فأخرها جداً. فقلت له؟ فقال: ما لي وللبدع هذه صلاة آبائي مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عاصم: عن عبد الحميد -أو عبدالواحد- قال: مررت فإذا مؤذن يؤذن بالعصر بالمدينة، فقال رجلٌ: حدثني أبي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتأخير هذه. فقلت: من هذا؟ قالوا: عبدالله بن رافع بن خديج. وأذن مؤذنه للعصر، فكأنه قدم الأذان، فقال: أخبرني أبي: أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بتأخير العصر. وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو الدجّاج عبدالواحد بن نافع، قال: شهدت عبدالرحمن بن رافع بن خديج، فقال: أخبرني أبي: أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بتأخير العصر. ولا يتابع عليه. قال الحميدي: حدثنا الوليد: حدثنا الأوزاعي: حدثني أبو النجاشي: حدثني رافع بن خديج: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ثم ننحر الجزور، فنقسم عشر قسم، ثم نطبخ فنأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغرب الشمس. وهذا أصح".