فأما حديث ابن عمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلي صلاة في يوم مرتين) إذا تعمد قصد الإعاده لصلاة خرجت على التمام لفريضة ولا صلاة عليه فيما تقدم. وأما حديث محجن فإنه حضر الصلاة فكره له النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصلي وإن كان قد صلى، وكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لغير محجن في حديث آخر. وأما حديث معاذ فإنه كان يصلي فريضة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه وكان إمامهم فيصلي بهم فتكون له نافلة ولهم فريضة، ولا خلاف بين أهل النقل للحديث أنه حديث صحيح الإسناد. وقد اختلف الفقهاء: هل تجوز الصلاة إذا اختلفت النيتان نية الإمام والمأموم أم لا؟ فأجازها قوم وردها آخرون. وسمعت أحمد بن سلمان الفقيه يقول: سمعت إبراهيم بن إسحاق يسأله رجل من أهل خراسان: إذا صلى الإمام تطوعاً ومن خلفه فريضة؟ قال: لا يجزيهم. قال: فأين حديث معاذ بن جبل؟ قال إبراهيم الحربي: حديث معاذ قد أعيا القرون الأولى".
وادعى الحنفية النسخ في حديث ابن عمر أيضاً. قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1/ 316) بعد أن ذكر حديث ابن عمر في النهي عن الصلاة في اليوم مرتين: "فالنهى لا يكون إلا بعد الإباحة فقد كان المسلمون هكذا يصنعون في بدء الإسلام يصلون في منازلهم ثم يأتون المسجد فيصلون تلك الصلاة التي أدركوها على أنها فريضة، فيكونوا قد صلوا فريضة مرتين حتى نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بعد ذلك من جاء إلى المسجد فأدرك تلك الصلاة أن يصليها ويجعلها نافلة.
وترك ابن عمر الصلاة مع القوم يحتمل عندنا ضربين: يحتمل أن يكون تلك الصلاة صلاة لا يتطوع بعدها فلم يكن يجوز أن يصليها إلا على أنها فريضة فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فريضة في يوم مرتين، أي فلا يجوز أن أصليها فريضة لأني قد صليتها مرة، ولا أدخل معهم لأني لا يجوز لي التطوع في ذلك الوقت.
ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن إعادتها على هذا المعنى الذي نهى عنه، ثم رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن تصلى على أنها نافلة فلم يسمع ذلك ابن عمر رضي الله عنهما فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبى داود قد حدثنا قال: حدثنا الوهبي قال: حدثنا الماجشون، عن عثمان بن سعيد بن أبي رافع قال: أرسلنى محرز بن أبي هريرة رضي الله عنه إلى ابن عمر أسأله: إذا صلى الرجل الظهر في بيته، ثم جاء إلى المسجد والناس يصلون فصلى معهم، أيتهما صلاته؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: (صلاته الأولى). ففي هذا الحديث أن ابن عمر قد رأى أن الثانية تكون تطوعاً، فدلّ ذلك على أن تركه للصلاة في حديث سليمان إنما كان لأنها صلاة لا يجوز أن يتطوع بعدها، فإن كانت في حديث أبي بكرة وجابر اللذين ذكرنا كان أولى الحكم ما وصفنا أن من صلى فريضة جاز أن يعيدها فتكون فريضة فلذلك صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين بالطائفتين وذلك هو جائز لو بقي الحكم على ذلك، فأما إذا نسخ فنهى أن تصلى فريضة مرتين فقد ارتفع ذلك المعنى الذي له صلى بكل طائفة ركعتين وبطل العمل به فلا حجة لهم في حديث أبي بكرة وجابر لاحتمالهما ما ذكرنا".
ورد الشافعية النسخ، فقال البيهقي: "ودعوى من ادعى نسخ هذه الأخبار باطلة لا يشهد بها له تاريخ ولا سبب، وإذا أمكن الجمع بين الأخبار فهو أولى، والله أعلم".
قلت: إذا كان هذا الحديث منسوخاً عند قوم، فهو ليس كذلك عند ابن عمر، فإن الدعوى أن ذلك كان في بداية الإسلام، وابن عمر إنما فعل ذلك بعد موته صلى الله عليه وسلم، فأين النسخ؟!
وكتب، خالد الحايك.
24 شعبان 1429هـ.