رواه الإمام أحمد في «المسند» (4/ 199) عن علي بن إسحاق عن عبدالله بن المبارك، به.
ورواه ابن عبدالحكم في «فتوح مصر» من طريق عبدالله بن وهب عن ابن لهيعة، نحوه.
وروى أحمد أيضاً (4/ 205) عن يَحْيَى بنُ إِسْحَاقَ، قال: أَخْبَرَنَا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ ابْنِ شَماسة: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: ((لَمَّا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِي الإسْلامَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ: لا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ)).
ورواه أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده في «فتح الباب في الكنى والألقاب» (ص458) من طريق يحيى بن بُكير، عن الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن عبدالرحمن بن شماسة أخبره: أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال عبدالله بن عمرو: أبا عبدالله جزعاً من الموت.
قلت: فهذه الروايات ليس فيهما ما يدلّ على حضور ابن شَماسة وفاة عمرو بن العاص ولا السماع منه، والراجح عندي أن روايته عن عمرو مرسلة، وهذه القصة في وفاة عمرو بن العاص مرسلة، وقد رُويت من طرق أخرى مرسلة كذلك، والله أعلم.
ورواية مسلم التي فيها أنه حضر وفاة من عمرو بن العاص، تفرد بها أبو عاصم النبيل الضَّحَّاك بن مخلد البصري عن حيوة بن شُريح المصري عن يزيد بن أبي حبيب المصري!
والضحاك ثقة ثبت ولا شك في ذلك، ولكن أهل مصر الذين رووا هذا الحديث (الليث بن سعد وابن لهيعة) عن يزيد بن أبي حبيب تُقدّم روايتهم على رواية الضحاك البصري، سيما مع اختلاف متن حديثه وتفرده عن حيوة.
وما جاء في رواية مسلم من قول عبدالله بن عمرو لأبيه: "يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا"، في هذا نكارة واضحة!! لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُبشّر عمرو بن العاص بشيء!
والذي في رواية الليث بن سعد وابن لهيعة: "فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُتُوحَهُ الشَّامَ".
وهذا أصح مما في رواية مسلم. والتذكير بصحبته النبي صلى الله عليه وسلم شرف عظيم له، وكذلك ما شارك فيه من فتوحات عظيمة، رضي الله عنه.
والذي أميل إليه أن رواية مسلم هذه لا تصح، وكأن الخلل فيها من الضحاك، ورواية الليث وابن لهيعة تقدّم عليها، وظاهر روايتهما أنه لم يحضر وفاة عمرو بن العاص، والله أعلم.
· هل سمع عبدالرحمن بن شَماسة من عائشة؟
سبق قول أبي حاتم: "وروى عن عائشة مرسل".
وقال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (6/ 176): "وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روايته عن عائشة مرسله. وقال اللالكائي: سمع منها".
قلت: روى مسلم في «صحيحه» (3/ 1458) قال: حَدَّثَنِي هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ شَماسة، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئاً، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ. فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)).