تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي كلّ طرق الحديث صيغة السماع هذه.

ورواه جرير بن حازم عنه عن عبدالرحمن بن شَماسة عن أبي بصرة عن أبي ذر، فزاد فيه واسطة بين عبدالرحمن وأبي ذر، وقد تفرّد به وهب بن جرير عن أبيه.

وقد عرض الإمام مسلم لهذا في تخريجه، وكذلك من قبله الإمام أحمد، فما الذي قصده الإمام مسلم من تخريجه لهذا الحديث؟!

يُحتمل أنه أراد أن يبين الاختلاف في إسناد الحديث بين الوصل والإرسال كعادته في بيان العلل في هذا الباب، ولكن يُشكل على ذلك أنه جاء في رواية ابن وهب عن حرملة: "سمعت أبا ذر"! فيحتمل أنه أراد الاحتجاج بهذا السماع، أو على الأقل تصحيحه لتحقق المعاصرة بين عبدالرحمن بن شَماسة وأبي ذر عنده!

ويُحتمل أنه أراد أن يبين أن ما جاء في رواية وهب بن جرير عن أبيه خطأ! ويُحتمل العكس.

والحقيقة أنني لا أستطيع أن أجزم بالذي أراده الإمام مسلم من هذا التخريج! والميل إلى أنه أراد تصحيح رواية عبدالله بن وهب عن حرملة.

وإن أراد ذلك فيكون قد وهم - رحمه الله-؛ لأن عبدالرحمن بن شَماسة لم يسمع من أبي ذر عند المحققين من أهل النقل، وعليه فيكون السماع الوارد في إسناد هذا الحديث خطأ.

وهذا السماع الخطأ من حرملة بن عمران؛ لاتفاق ابن وهب وعبدالله بن صالح عنه في ذكر السماع.

وحرملة بن عمران من ثقات أهل مصر، وقد اجتنب البخاري تخريج حديثه، وخرّج له في «الأدب المفرد»، وحديثه قليل، وله تفردات، ذكر منها الطبراني في «المعجم الأوسط» أربعة أحاديث: (8/ 318) رقم (8747)، (9/ 110) رقم (9272)، (9/ 132) رقم (9334)، (9/ 172) رقم (9449).

وحرملة هذا كان آخر من حدّث عن عبدالرحمن بن شَماسة.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/ 243): "عبدالرحمن بن شَماسة المهري: روى عن زيد بن ثابت وعقبة بن عامر وعمرو بن العاص وعبدالله بن عمرو، وروى عن: عائشة مرسل. روى عنه: يزيد بن أبي حبيب وكعب بن علقمة المصري وإبراهيم بن نشيط وحرملة بن عمران، سمعت أبي يقول ذلك".

قال ابن أبي حاتم: "روى عن أبي ذر قال: سمعت منه".

قلت: كيف يكون سمع من أبي ذر قديم الموت (ت32هـ)، وقد بيّن والده أن طبقة سماعه من هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم ممن مات متأخراً عنه.

وقد اعتمد ابن أبي حاتم على هذا الحديث الذي فيه هذا السماع الخطأ.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 295): "عبدالرحمن بن شَماسة المصري المهري: سمع عقبة بن عامر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما. سمع منه يزيد بن أبي حبيب".

قلت: أراد البخاري أن يبين طبقة شيوخه من الصحابة، ومستحيل أن يكون سمع من أبي ذر. فكيف يسمع منه وموته قديم، وهو قد مات سنة إحدى ومائة أو بعدها.

· حديث مسلم مرسل!

قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص136): "وحديث أبي ذر -رضي الله عنه-: (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط)، رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران عن عبدالرحمن بن شَماسة عن أبي ذر، ورواه جرير بن حازم عن حرملة بن شَماسة عن أبي بصرة عن أبي ذر، أخرجه مسلم من طريقيهما كذلك، وهي بمجرد إمكان اللقاء، ولعل الأظهر هنا ترجيح الإرسال؛ لأن ابن شَماسة إنما لقي من الصحابة من مات بعد أبي ذر بزمن طويل كعمرو بن العاص وزيد بن ثابت وغيرهما".

قلت: يعني إن مسلماً خرّج حديثه عن أبي ذر لوجود المعاصرة، وإلا فهو لم يلقه؛ لأن أبا ذر مات قديماً سنة (32هـ)، وهو إنما سمع ممن مات بعده بزمن طويل كعائشة (توفيت 57هـ)، وعقبة بن عامر (ت 58هـ)، وعبدالله بن عمرو بن العاص (ت 65هـ).

وقال ابن يونس في «مقدمة تاريخ مصر»، وهو العمدة في المصريين: "وأهل النقل ينكرون أن يكون ابن شَماسة سمع من أبي ذر" (تهذيب التهذيب: 6/ 176).

وقد روى عبدالرحمن بن شَماسة عن عبدالرحمن بن عُدَيس البلوي الصحابي (ت 36هـ)، وقد قال أهل العلم إنه لم يسمع منه، وإنما يروي عن رجل غير مسمى عنه (انظر: تاريخ ابن عساكر: 35/ 109).

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٥٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٥٩٤