فتعقبه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام»: "وَيَنْبَغِي أَن نشرحه، فقد رَأَيْته مُفْسِدا فِي بعض النّسخ، وَذَلِكَ أَن الدَّارَقُطْنِيّ لم يَجْعَل فِي كتاب الْعِلَل لِابنِ عَبَّاس رسماً، وَلَا ذكر من حَدِيثه إِلَّا مَا عرض فِي بَاب غَيره من الصَّحَابَة، إِمَّا لم يبلغهُ عمله وَإِمَّا لم يتَحَصَّل عِنْده مَا يضع فِي الْكتاب الْمَذْكُور، فَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا عرض لَهُ ذكره فِي حَدِيث ابْن عمر هَكَذَا:
قَالَ: وَسُئِلَ عَن حَدِيث يرْوى عَن نَافِع، عَن ابن عمر، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: "موت الْغَرِيب شَهَادَة"؟ فَقَالَ: يرويهِ عبدالْعَزِيز بن أبي رواد، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ هُذَيْل بن الحكم، وَاخْتلف عَنهُ، حدث بِهِ يُوسُف بن مُحَمَّد الْعَطَّار، عَن مَحْمُود بن عَليّ، عَن هُذَيْل بن الحكم، عَن عبدالْعَزِيز بن أبي رواد، عَن نَافِع، عَن ابن عمر.
وَالصَّحِيح مَا حدّثنَاهُ إِسْمَاعِيل الْوراق، حَدثنَا حَفْص بن عمر وَعمر بن شبة، قَالَا: حَدثنَا الْهُذيْل بن الحكم، عَن عبدالْعَزِيز بن أبي رواد، عَن عِكْرِمَة عَن ابن عَبَّاس، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: "موت الْغَرِيب شَهَادَة" انْتهى مَا ذكر الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيح للْحَدِيث، لَا من رِوَايَة ابن عمر وَلَا من رِوَايَة ابن عَبَّاس، وَإِنَّمَا فِيهِ تَصْحِيحه عَن هُذَيْل بن الحكم وَمن طَرِيق ابن عَبَّاس، لَا من طَرِيق ابن عمر، وَهُوَ إِذْ قَالَ: الصَّحِيح عَن هُذَيْل بن الحكم أَنه عِنْده عَن ابن عَبَّاس لَا عَن ابن عمر، بِمَثَابَة مَا لَو قَالَ: الصَّحِيح عَن ابن لَهِيعَة، أَو عَن مُحَمَّد بن سعيد المصلوب، أَو عَن الْوَاقِدِيّ، فَإِن ذَلِك لَا يقْضِي بِصِحَّة مَا رووا، لَكِن مَا روى عَنْهُم.
وَإِنَّمَا سلك الدَّارَقُطْنِيّ سَبِيل غَيره من ذكر الْخلاف على هُذَيْل بن الحكم، وترجيح بعض مَا رُوِيَ عَنهُ على بعض.
كَذَلِك فعل أَيْضاً أَبُو أَحْمد بن عدي ...
ثمَّ نقُول - بعد هذَا - إِن الحَدِيث الْمَذْكُور لَا يُمكن أَن يُصَحِّحهُ لَا الدَّارَقُطْنِيّ ولا غَيره، لِأَن أَبَا الْمُنْذر: هُذَيْل بن الحكم هَذَا ضَعِيف.
قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وهُوَ الْقَائِل عَن نَفسه فِي كِتَابه الْأَوْسَط: "كل من قلت فِيهِ مُنكر الحَدِيث فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ".
وَقد جعله فِي جملَة الضُّعَفَاء جمَاعَة: أشهرهم أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ، وَزَاد أَنه لا يقيم الحَدِيث.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم البستي فِي كِتَابه: هُوَ مُنكر الحَدِيث جداً.
وَإِنَّمَا اعترى أَبَا مُحَمَّد فِيهِ أحد أَمريْن:
إِمَّا أَن يكون لم يتثبت فِي كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ: "وَالصَّحِيح مَا حدّثنَاهُ فلَان"، فاعتقده تَصْحِيحا للْحَدِيث عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَمَا اعْتقد فِي قَول البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي قبل هذَا.
وَإِمَّا أَن يكون بحث بحثا غير مُسْتَوْفِي، فَوجدَ أَبَا مُحَمَّد بن أبي حَاتِم، وَهُوَ ملجؤه دائباً - قد ذكر هذَا الرجل بِرِوَايَة من فَوق وَمن أَسْفَل، وَأَهْمَلَهُ من الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
فَحمل الْأَمر على مَا عهد مِنْهُ فِيمَن روى عَنهُ أَكثر من وَاحِد وَلم يجرح، أَنه تقبل رواياته، فصحح الحَدِيث كَمَا فهم عَن الدَّارَقُطْنِيّ.
وَأَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم إِنَّمَا هَؤُلَاءِ عِنْده مَجَاهِيل الْأَحْوَال، بذلك أخبر عَن نَفسه، فَإِذن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح وَلَا صَححهُ الدَّارَقُطْنِيّ" انتهى.
· الحديث السادس:
أخرج أبو نُعيم في «الحلية» (4/ 72) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بنُ الْعَبَّاسِ بنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حدثنا الْوَلِيدُ بنُ الْفَضْلِ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: حدثنا عَبْدُاللهِ بنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ رِجَالًا إِلَى الْبُلْدَانِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ بَعَثْتَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لَا غِنًى بِي عَنْهُمَا، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الْإِنْسَانِ».