وقال العيني في «العُمدة» (20/ 106): "قلت: اعترض صاحب الجوهر النقي على البيهقي بأن قال: وقد أثبته أهل الحديث من رواية اثنين غير أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فإنه أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، وأخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وأخرجه البخاري من حديث جابر، فيحمل على أن الشعبي سمعه منهما - أعني أبا هريرة وجابراً، وهذا أولى من تخطئة أحد الطرفين إذ لو كان كذلك لم يخرجه البخاري في الصحيح، وقال شيخنا: سماع الشعبي منهما صرح به حماد بن سلمة في روايته لهذا الحديث عن عاصم عن الشعبي عن جابر وأبي هريرة، وكذلك ذكره الحافظ المزي في الأطراف إلا أن البيهقي في المعرفة حكى عن الحفاظ أن رواية عاصم خطأ، وذلك أن حديث جابر وإن أخرجه البخاري فإنه عقبه بذكر الاختلاف فيه فقال بعد أن رواه من رواية عاصم عن الشعبي عن جابر: ورواه داود وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة، وإذا تبين لك الاختلاف الذي وقع فيه فقد أحالك على الترجيح فنظرنا بين عاصم الأحول وبين داود وابن عون وكل واحد منهما لو انفرد كان أول ما يؤخذ بقوله دون عاصم؛ لأنهما مجمع على عدالتهما ولم يتكلم أحد فيهما، وتكلم في عاصم غير واحد عموماً وخصوصاً، أما عموماً، فقال ابن علية: "كل من اسمه عاصم في حفظه شيء"، وأما خصوصاً، فقد قال يحيى بن معين: "كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عن عاصم الأحول، يستضعفه"، وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالحافظ عندهم، ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء ما في سيرته"، وقال بعضهم نصرة للبخاري أن هذا الاختلاف لا يقدح عند البخاري؛ لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة، وللحديث طريق آخر عن جابر بشرط الصحيح أخرجه النسائي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر والحديث أيضاً محفوظ من أوجه عن أبي هريرة، فلكل من الطريقين ما يعضده، انتهى. قلت: قوله وللحديث طريق آخر إلى آخره غير صحيح؛ لأن رواية أبي الزبير لا يحتج بها؛ لأنه مدلس، وقد قال الشافعي: لا نقبل رواية المدلس حتى يقول: حدثنا، وقال غير الشافعي أيضاً ومع ذلك قال الشافعي: لا يحتج بروايات أبي الزبير، الموضع الثاني مشتمل على أحكام الأول احتج به على تخصيص الكتاب بالسنة ولكن فيه خلاف فعندنا يجوز بالأحاديث المشهورة" انتهى.
قلت: الظاهر أن الإمام البخاري يرجّح رواية الشعبي عن جابر على رواية داود وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة!! ولهذا علّق هذه الأخيرة.
وأما ما ذهب إليه ابن حجر بأن كل هذه الروايات صحيحة ففيه نظر! وتعقّب العيني له بأنه انتصر للبخاري وأن الصواب هو رواية داود وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة، وطعنه في عاصم الأحول فهو مما يرّد على العيني - غفر الله له-!!
فالبخاري احتج برواية عاصم الأحول عن الشعبي عن جابر، وهو الصواب، وأما رواية أبي هريرة فهي صحيحة لكن ليست من طريق الشعبي، وإنما من طرق أخرى كمحمد بن سيرين وغيره.
عدا على أنّ حديث داود وابن عون فيه زيادة عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ نَهْي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تُنْكَحَ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، وَالْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى!!! ولهذا اضطر أهل العلم أن يحملوا ذلك عَلَى الْكُبْرَى فِي النَّسَبِ، وَعَلَى الصُّغْرَى فِي النَّسَبِ، كَمَا قِيلَ فِي الْوَلَاءِ: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، يُرَادُ بِذَلِكَ الْكُبْرُ فِي النَّسَبِ!! مع أنّ هذا ثابتٌ في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وسُئِل الدارقطني في «العلل» برقم (2158) عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا؟