ورواه عبدالله بن شقيق البصري، عن ابن حوالة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منقطع، فعبدالله لم يسمع من ابن حوالة، ورُوي عنه عن رجل يقال له زائدة أو مزيدة، عن ابن حوالة، وهذا الرجل مجهول!
فهذه طرق هذا الحديث كلها معلولة، وأصل الحديث من مراسيل الشاميين، وكانت رواية المراسيل فيهم عادة، وخاصة في طبقة التابعين كما نبه على ذلك أهل النقد، وكثيراً ما كان ينبه على ذلك الإمام الذهبي، فيقول: "وهذا مرسل على عادة الشاميين في ذلك"، وكثرة هذه الطرق ممن يرويه من أهل حمص عن ابن حوالة قرينة على أن هذا الحديث مشهور عندهم بالإرسال؛ وإلا لوجدنا عناية أصحاب الحديث به، ولاشتهر لابن حوالة أصحاب حملوا حديثه، ووفاته متقدمة (58هـ).
وعليه ففي تصحيح الإمام الذهبي لهذا الحديث نظر! قال في «السير» (2/ 331): "صحيح".
وقال في «معجم الشيوخ الكبير» (1/ 283): "هذا حَدِيثٌ جَيِّدُ الإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ: عَنْ رَبِيعَةَ وَمَكْحُولٍ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي حَوَالَةَ كَذَا قَالَ، فَلَمْ يُوصِلْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ شَيْخٍ لَهُ، عَنْ بَقِيَّةَ، عَنْ بُجَيْرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قَتيلَةَ عَنْ أَبِي حَوَالَةَ، وَرَوَاهُ مَحْفُوظُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابنِ عَائِذٍ، عَنْ جَمَاعَةٍ، أَنَّ ابْنَ حَوَالَةَ قَالَ ذَلِكَ".
قلت: قد تبيّن لنا الاضطراب في أسانيد هذا الحديث.
· ترجمة عبدالله بن حَوالة:
عبدالله بن حوالة، بالمهملة وتخفيف الواو، يُكنى أبا حوالة، وقيل: أبا محمد.
ونسبه الواقدي إلى بني عامر بن لؤي، ونسبه الهيثم بن عدي إلى الأزد، وهو الأشهر.
قال ابن الأثير: "ويمكن أن يكون حليفاً لبني عامر، وأصله من الأزد".
قال ابن حجر معقباً عليه: "قلت: أنكر كونه من الأزد ابن حبان، وقال: إنما هو الأردني بالراء وبعد الدال نون ثقيلة لكونه نزلها".
وقال في «تهذيب التهذيب» (5/ 170): "قلت: وقال ابن حبان: قال بعضهم الأردني نسبة إلى الأردن، كأن عنده أن الأزدي تصحيف! ".
قال خليفة: "وعبدالله بن حوالة من الأزد بن الغوث".
وقال محمد بن سعد في تسمية من نزل الشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عبدالله بن حواله الأزدي، ويكنى أبا حوالة. قال الواقدي: وهو من بني معيص بن عامر بن لؤي، ويكنى أبا محمد، وكان يسكن الأردن".
قال ابن يونس في «تاريخ مصر»: "عبدالله بن حوالة الأزدي يكنى أبا حوالة، قدم مصر مع مروان، روى عنه من أهل مصر: ربيعة بن لقيط، وذكر له حديثاً، ثم قال: يقال توفي بالشام سنة ثمانين".
ومات عبدالله بن حوالة سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، قاله محمود بن إبراهيم، والواقدي، وخليفة، وغيرهم، وقيل: مات سنة ثمانين في الشام، وبه جزم ابن يونس وابن عبدالبر، والأرجح الأول، والله أعلم.
أَثبت صحبته البخاري.
قال في «التاريخ الكبير» (5/ 33): "عَبْداللَّه بن حوالة، لَهُ صحبِهِ.
قال عبدالله بن صالح: حدثني معاوية بن صَالِحٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى: أَنَّ جُبَيْرَ بنَ نُفَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ حَوَالَةَ، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتُجَنَّدُونَ أَجْنَادًا فَجُنْدًا بِالْيَمَنِ وَجُنْدًا بِالشَّامِ وَجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، فَعَلَيْكُمْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ بِلادِهِ فِيهَا خِيرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ".
قلت: أثبت البخاري - رحمه الله- صحبته وأورد هذا الحديث في ترجمته مشيراً إلى غرابته؛ لأنه من رواية معاوية بن صالح، وهذه عادة الإمام البخاري في الإشارة إلى ضعف الأحاديث، وقد مرّ الكلام على الحديث.