رواها أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا يحيى بن أبي بُكير الكرماني، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: «أن عمر قال لعبدالله بن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذر ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب».
قلت: تفرد به الرمادي عن يحيى بن أبي بكير! ولم يروه أحد من أصحاب شعبه عنه! ومثل هذا التفرد عن هؤلاء الثقات (مثل شعبة ويحيى بن أبي بكير) لا يقبله أهل النقد.
ورويت هذه القصة من طريق آخر:
قال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (1/ 258): حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: قال عمر لأبي ذر ولعبدالله ولأبي الدرداء - رضي الله عنهم -: «ما هذا الحديث الذي تحدثون عن محمد صلى الله عليه وسلم - وأحسبه قال: حبسهم عنده».
قلت: إنما ذكرها أحمد في العلل لأنها منكرة. وقد ردّها أهل العلم من ناحية سندها ومتنها.
أما من ناحية السند، فقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 139): "هذا أثر منقطعٌ، وإبراهيم ولد سنة عشرين، ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين، وابن مسعود كان بالكوفة، ولا يصح هذا عن عمر"، وقال ابن حزم في «الإحكام» (2/ 139): "هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصحّ، ولا يجوز الاحتجاج به".
وأما من ناحية المتن، فقال ابن حزم: "ثمّ هو في نفسه - أي هذا الأثر- ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كلّ ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قولٌ لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بدّ له من أحدهما" ثم قال: "وقد حدّث عمر بحديث كثير، فإنه قد روى خمس مئة حديث ونيفاً على قرب موته من موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم".
ومراد ابن حزم هو بيان أن هؤلاء الثلاثة الذين جاءت الرواية بحبسهم هم أقل رواية من الذي حبسهم، فكيف يحبسهم لكثرة روايتهم؟! فابن مسعود روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثمان مئة وثمانية وأربعين حديثاً، وروى أبو الدرداء مئة وتسعة وسبعون حديثاً، أي أقل من عمر! وأبو مسعود روايته قليلة جداً.
وعلى فرض ثبوت الرواية فإن لها معنيان:
الأول: أن معنى الحبس هنا هو المنع لا الحبس المعروف عندنا، فقد أخرج الرامهرمزي في «المحدِّث الفاصل» هذه الرواية من طريق شيخه ابن البري، ثم قال: قال أبو عبد الله بن البري: "يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس".
الثاني: ما رآه الخطيب: أن عمر فعل ذلك احتياطاً للدين، وحسن نظر للمسلمين، مخافة أن ينكلوا عن الأعمال ويتكلوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كلّ من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملاً، ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر - رضي الله عنه- أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أخذ به. وقال الخطيب: "نهى عمر الصحابة أن يكثروا رواية الحديث إشفاقاً على الناس أن ينكلوا عن العمل اتكالاً على الحديث، وفي تشديد عمر أيضاً على الصحابة وروايتهم حفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول المشهور بصحبة النبيّ صلى الله عليه وسلم قد تشدد عليه في روايته كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، ولما يلقي الشيطان في النفس من تحسين الكذب أرهب". [شرف أصحاب الحديث: ص 88 - 91].