وعادة ما يُذكر الجذع والساجة في سياق واحد. فقد روى الخطيب في «تاريخه» (14/ 124) من طريق أَبي العيناء، قَالَ: كنت عند ابن أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيات، فجيء بالجاحظ مقيداً، وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابْن أبي دؤاد مُحَمَّد بْن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان، فقال ابْن أبي دؤاد للجاحظ: ما تأويل هذه الآية ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، فقال: تلاوتها تأويلها أعز اللَّه القاضي.
فقال: جيئوا بحدّاد، فقال: أعز اللَّه القاضي ليفك عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ، ويطيل أمره قليلا، ففعل فلطمه الجاحظ، فقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة، فضحك ابْن أبي دؤاد وأهل المجلس منه، وَقَالَ ابْن أبي دؤاد لمحمد بْن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه.
والفقهاء عندما تكلموا على مسائل الغَصْب ذكروا "غصب الساجة والبناء عليها أو حولها" في كتبهم؛ لأنها تكون مُعدّة للأساس. وإنما تكلموا عليها لأنها ثمينة بخلاف الجذوع.
والحداد لا شك أنه تكلّم أمام أُناس يعرفون اللغة ويعرفون مقاصد الكلام، ففهموا قصده؛ لأنه أتى بشيء من بيئتهم يعرفونه، ولا يحتاج لأن يوهم في كلامه.
وليست المسألة حول المدة الزمنية التي يطلب فيها الحديث! فالمدة الزمنية لطلب الحديث قد انتهت بالنسبة له، فهو قد طلب وكتب، وهذا واضح من السؤال إذ هو من كبار الشيوخ، ولكن السؤال عن استفهامه لبعض الأمور ومناقشته لأقرانه كما مر مع عبدالرحمن بن مهدي، وطلبه لأشياء ليست عنده، ولهذا جاء بهذا الجواب عن ذلك السؤال، وأنه كلما استفاد شيئاَ جديداً كلما قويّ علمه.
ثمّ أفادني الأخ الدكتور (محمد الحنبرجي) جزاه الله خيراً أنّ ابن حبان روى في كتابه «المجروحين» قال: حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش قال: حدثنى بعض البصريين قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف - أي مصنّفات - حماد بن سلمة عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على نسخ أخر وفي رواية: فيعرضها على شيخ آخر-، فقلت له في ذلك، فقال: "اسكت أخرج جذعا أدخل ساجة". وقد ذكره ابن حبان في مقدمة كتابه في معرض بيان تفتيش العلماء في الحديث.
وقد جاء في المطبوع من نسخة حمدي السلفي (1/ 34): "جِزعاً"، وفي نسخة محمود إبراهيم زايد (1/ 31): "حِزْعاً"! مع أن المحقق محمود زايد فسّرها في الهامش على أنها "جذعا"، فقال: "الجذع ساق النخلة وبه سمي سهم السقف، والساج خشب سودرزان لا تكاد الأرض تنبتها تجلب من الهند. يقال: رأيت في أساس بيته ساجة، والمعنى واضح أنه يستبدل هشاً بصلب قوي متين".
وما نقله ابن حبان يُبيّن المعنى الذي جاء في رواية ابن عدي في «الكامل» فهي مُفسرة لها، وقد أصاب محقق كتاب ابن حبان في تفسيره لكلام الحداد.
·…ضبط د. بشار معروف لها:
وقد ضبطها الدكتور بشار أثناء تحقيقه لكتاب الخطيب هكذا: "أخرج جَذعا وأدخل ساحه"! لم يضبط إلا حرف الجيم في "جذعا" بالفتح!!
وقال في الهامش: "ولعله يريد: أخرج جديداً كما بدأت وأدخل ساحه، وقد تقرأ: (ساحة) أي: ناحية".
قلت: وهذا لا معنى له!! ولا علاقة للساحة هنا بهذا الجواب!!!
·…ضبط الشيخ السرساوي لعبارة الحدّاد، وكلمة حول تحقيقه لكتاب ابن عدي!
وكما ذكرت فإن هذه العبارة قد تصحفت في كثير من طبعات الكامل وتاريخ بغداد، وقد ضبط الشيخ الدكتور مازن السرساوي هذا النص في طبعته لكتاب ابن عدي (1/ 374) برقم (959): «أَخْرُج جذعاً، وأَدْخُلُ ساجَةً»! وهذا الضبط خطأ! لأنه جعله صفة لقائله وهو الحداد! أي أنه يخرج جذعاً ويدخُل ساجة! وهذا لا معنى له! فكيف يخرج جذعا ويدخل ساجة؟!! والصواب - إن شاء الله- ما قدّمناه أن هذا وصف لما يكتبه من الحديث، ولهذا شبهه بإخراجه الجِذع وإدخال الساجة مكانه كلما تقدم في تحصيل الحديث وفوائده.