تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

·…أدلة الحرمة:

قلت: أما أحاديث الحرمة فقد نقل أهل العلم عن البخاري وغيره أنه لم يصح منها شيء، وهناك من أهل العلم من تساهل في تصحيحها، والثابت في ذلك ما نُقل عن الصحابة من أقوالهم في حرمته، وبعد البحث في كل الأحاديث التي جاءت في ذلك تبيّن لي أن حديث خزيمة بن ثابت حديث صحيح يُقبل في هذه المسألة، وسيأتي تخريجه والكلام عليه إن شاء الله تعالى.

وكذلك الآية واضحة في تحريم الإتيان في الدبر؛ لأن مكان الحرث هو القُبل، وهذا باتفاق أهل التفسير والعلماء قاطبة.

·…ما نُسب للبخاري والنسائي في هذه المسألة!

وقد توهّم بعضهم فنَسب الإباحة إلى الإمام البخاري والنسائي وغيرهما! ولا يصح! فالبخاري أشار إلى ضعف رواية نافع من خلال تخريجه للحديث كما بيناه، وأنه أخطأ في الفهم عن ابن عمر، وأما النسائي فقد نفى ورود حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ في النهي عن إتيان المرأة في دبرها، ففرق بين الأمرين.

قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (2/ 699) في ترجمة الإمام النسائي: "وقال آخر: ليت شعري، ما مذهبه في إتيان النساء في أدبارهنّ؟ قال: فسُئِلَ، فقال: النبيذُ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدّث محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: اسق حرثك من حيث شئت، فلا ينبغي أن يتجاوز قوله".

ورُوي عن النسائي أنه قال: "لم يصح في تحريمه ولا تحليله شيء".

قال الذهبي: ثبت نهي المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أدبار النساء، ولي فيه مصنف".

وقال في «سير أعلام النبلاء» (14/ 128): "قلت: قد تيقنا بطرقٍ لا مَحيدَ عنها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أدبار النساء وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنفٌ كبيرٌ".

قلت: فالنسائي يرى أنه لم يصح في النهي حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في الوقت نفسه يرى أنه لا يتجاوز كلام ابن عباس في تحريم ذلك.

·…رواية عن نافع أنه روى عن ابن عمر ما يوافق جابر وابن عباس واحتجاج ابن القيّم بها!

روى النسائي في «السنن الكبرى» (5/ 315) برقم (8978) قال: أخبرنا علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبدالله بن نفيل، قال: أخبرنا سعيد بن عيسى، قال: حدثنا المفضل بن فضالة، قال: حدثني عبدالله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر: أنه أخبره أنه قال لنافع مولى عبدالله بن عمر: «قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارها؟ قال نافع: لقد كذبوا عليّ، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، قال: يا نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إِنَّا كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نُجَبِّي النِّسَاءَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَكَحْنَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، أَرَدْنَا مِنْهُنَّ مِثْلَ الَّذِي نُرِيدُ، فَإِذَا هُنَّ قد كَرِهْنَ ذلك، وَأَعْظَمْنَه، وَكَانَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذْنَ بِحَالِ الْيَهُودِ، إِنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جُنُوبِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾».

ورواه الطبراني عن الحسين بن إسحاق. ورواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عن يزيد بن سنان، كلاهما عن زكريا بن يحيى كاتب العمري، عن مفضل، به.

قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (1/ 263): "وهذا إسناد صحيح. وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني عن الحسين بن إسحاق عن زكريا بن يحيى كاتب العمري عن مفضل بن فضالة عن عبدالله بن عياش عن كعب بن علقمة فذكره".

قلت: كذا فيه: "عن عبدالله بن عياش"! والصواب أنه: "عبدالله بن سليمان الطويل المصري".

وهذه القصة تفرد بها المفضل عن عبدالله بن سليمان! وعبدالله هذا من أهل مصر، لم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ثقاته على قاعدته المشهورة فيمن لا يوحد فيه أي جرح أو تعديل، فهو مستور الحال.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٦١