قال أبي: "رواه عبدالله بنُ نَافِعٍ الصَّائغ، عَنْ دَاوُدَ بنِ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذلك".
قال أَبي: "هذا أشبهُ، وهذا أَيْضًا مُنكَرٌ، وهُوَ أشبهُ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّ الناسَ أَقْبَلُوا قِبَلَ نافعٍ فِيمَا حَكَى عَنِ ابنِ عُمَرَ في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ ... ﴾ فِي الرُّخْصَة، فَلَوْ كان عندَ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، لَكَانُوا لا يُولَعُونَ بِنَافِعٍ، وأَوَّلَ مَا رأيتُ حديثَ ابنِ عبدالحكم استغرَبْنَاهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي عِلَّتُهُ".
قلت: قد استغرب أبو حاتم حديث ابن عبدالحكم لتفرده به بهذا الإسناد الذي ينبغي أن يكون مشهوراً في المدينة، ثم تبيّن له أنه معلول برواية عبدالله بن نافع الصائغ، ووقع عنده: عن "داود بن قيس"! وهو خطأ، والصواب أنه عن "هشام بن سعد" كما مر في تخريجه، وهذا لا يؤثر في الحكم، فسواء أكان عن داود أم هشام فالحديث تفرد به عبدالله بن نافع الصائغ وهو صدوق سيء الحفظ لا يُحتج بما انفرد به، ورجّح أبو حاتم هذا الإسناد واستنكره كذلك؛ لأنه لو كان صحيحاً عن زيد بن أسلم عن ابن عمر لأقبل عليه الناس يسمعونه منه وما ذهبوا لنافع في حديث الرخصة، فالمعروف أن الذي تفرد بتلك الرخصة عن ابن عمر هو نافع، وفي هذا إشارة من أبي حاتم إلى أن كلّ حديث رُوي عن ابن عمر في هذا فهو منكر إلا حديث نافع.
وبهذا يتبيّن لنا أن الحافظ ابن حجر قد حكم على ظاهر الإسناد فصححه ولم يتنبّه لعلته! وأما الذي تكلّم عليه الأزدي من رواته فيمن أشار إليه ابن حجر فهو أبو بكر بن أبي أويس الأعشى، وهو ثقة، ولكنه ظنه آخر فضعفّه.
قال ابن حجر في «التقريب» (ص 333): "عبدالحميد بن عبدالله بن عبدالله بن أويس الأصبحي، أبو بكر بن أبي أويس، مشهور بكنيته كأبيه ثقة، ووقع عند الأزدي: أبو بكر الأعشى في إسناد حديث فنسبه إلى الوضع، فلم يصب".
وقال في «مقدمة فتح الباري» (ص 416): "وقال الأزدي في ضعفائه: أبو بكر الأعشى يضع الحديث، فكأنه ظن أنه آخر غير هذا، وقد بالغ أبو عمر ابن عبدالبر في الرد على الأزدي، فقال: هذا رجم بالظن الفاسد وكذب محض إلى آخر كلامه".
وقد مرت رواية أخرى عن هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر، فيُحتمل أنها أصل رواية الصائغ فأخطأ فرواها بهذا الإسناد سالكاً فيها الجادة، وقد تقدّم الكلام عليها.
وقد مال ابن حجر إلى صحة الرواية التي جاءت عن زيد بن أسلم! فقال في «الفتح»: "وروى الخطيب في الرواة عن مالك من طريق إسرائيل بن روح قال: سألت مالكاً عن ذلك، فقال: ما أنتم قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، وعلى هذه القصة اعتمد المتأخرون من المالكية، فلعل مالكاً رجع عن قوله الأول، أو كان يرى أن العمل على خلاف حديث ابن عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته، ولم ينفرد ابن عمر بسبب هذا النزول، فقد أخرج أبو يعلى وابن مردويه وابن جرير والطحاوي من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: نعيرها، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وعلقه النسائي عن هشام بن سعد عن زيد، وهذا السبب في نزول هذه الآية مشهور، وكأن حديث أبي سعيد لم يبلغ ابن عباس وبلغه حديث ابن عمر فوهمه فيه، فروى أبو داود من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إن ابن عمر وهم والله يغفر له، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، فكانوا يأخذون بكثير من فعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فأخذ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون بنسائهم مقبلات ومدبرات ومستلقيات فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فذهب يفعل فيها ذلك فامتنعت، فسرى أمرهما حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ مقبلات ومدبرات ومستلقيات في الفرج، أخرجه أحمد والترمذي من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: جاء عمر، فقال: يا رسول الله، هلكت حولت رحلي البارحة فأنزلت هذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة، وهذا الذي حمل عليه الآية موافق لحديث جابر المذكور في الباب في سبب نزول الآية".