وأخرجها أحمد بن أسامة التجيبي في «فوائده» من طريق معن بن عيسى، كلاهما عن هشام بن سعد عن نافع: قال قرأ ابن عمر هذه السورة فمر بهذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ الآية فقال: تدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: في رجال كانوا يأتون النساء في أدبارهنّ.
قلت: هشام بن سعد ضعيف جداً وله مناكير، ويُكتب حديثه للاعتبار، وقد أخرج له مسلم في الشواهد، وعلّق له البخاري، وقد توبع هشام على هذه الرواية عن نافع.
وأما رواية أبان بن صالح:
فأخرجها الحاكم في «تاريخه» من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن نافع قال: كنت أمسك المصحف على ابن عمر، فذكر الحديث بطوله نحو ما تقدم. وهو في القطعة التي انقطعت روايتها من «صحيح ابن خزيمة» أخرجه الحاكم عن أبي علي الحافظ النيسابوري عن ابن خزيمة وقال أبو علي: "لم أكتبه إلا عن ابن خزيمة".
قلت: أبان بن صالح صدوق، علّق له البخاري بعض الأحاديث.
وأما رواية إسحاق بن أبي فروة:
فأخرجها أحمد بن أسامة التجيبي في «فوائده» من طريق أبي علقمة القروي عنه عن نافع قال: لي ابن عمر: أمسك علي المصحف فذكر الحديث بطوله نحو رواية الدراوردي عن شيوخه الثلاثة.
قلت: قد تقدم الكلام على هذه الرواية ورواية الدراوردي أيضاً.
·…كلام ابن حجر وغيره حول فعل البخاري، وتعقب العيني لابن حجر، والرد عليه!
قال ابن حجر في «فتح الباري» (8/ 189): "قوله (يأتيها في) هكذا وقع في جميع النسخ لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي (يأتيها في الفرج)، وهو من عنده بحسب ما فهمه، ثم وقفت على سلفه فيه وهو البرقاني، فرأيت في نسخة الصغاني، زاد البرقاني: يعني الفرج، وليس مطابقاً لما في نفس الرواية عن ابن عمر لما سأذكره، وقد قال أبو بكر ابن العربي في سراج المريدين: أورد البخاري هذا الحديث في التفسير فقال (يأتيها في) وترك بياضاً، والمسألة مشهورة صنّف فيها محمد بن سحنون جزءاً، وصنّف فيها محمد بن شعبان كتاباً، وبيّن أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها. وأما رواية عبدالصمد فأخرجها ابن جرير في التفسير عن أبي قلابة الرقاشي عن عبدالصمد بن عبدالوارث: حدثني أبي، فذكره بلفظ: (يأتيها في الدبر)، وهو يؤيد قول ابن العربي، ويرد قول الحميدي، وهذا الذي استعمله البخاري نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء، ولا بد له من نكتة يحسن بسببها استعماله".
قلت: الحميدي ومن قبله البرقاني إنما فهموا هذا من طريقة تخريج البخاري للحديث، نعم رواية نافع لا تؤيده، لكن هذا هو الراجح، وهذا ما أراده البخاري من عدم ذكره اللفظ كما بينته سابقاً.
والذي قاله الحميدي تفسيراً كأنه بسبب أنه أشار إلى رواية أيوب: "يأتيها فيه" والصواب: "يأتيها في" دون ذكر الضمير.
قال في «الجمع بين الصحيحين»: "وفي عقبه من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾،: يأتيها فيه. يعني في الفرج. وإلى ذلك أشار البخاري؛ لأنه أورد بعده في تفسير هذه الآية حديث جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: كانت اليهود تقول:
إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ ".
وقد تعقّب العيني ابن حجر، فقال في «عمدة القاري» (18/ 117): "وقال بعضهم: (هو من عنده بحسب فهمه وليس مطابقاً لما في نفس الأمر) وأيد كلامه بقوله: (وقد قال أبو بكر بن العربي: أورد البخاري هذا الحديث في التفسير فقال: يأتيها في وترك بياضا) انتهى. قلت: لا نُسلِّم عدم المطابقة لما في نفس الأمر؛ لأن ما في نفس الأمر عند من لا يرى إباحة إتيان النساء في أدبارهن أن يقدر بعد كلمة (في) إما لفظ (في الفرج) أو (في القبل) أو (في موضع الحرث)، والظاهر من حال البخاري أنه لا يرى إباحة ذلك، ولكن لما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ما يفهم منه إباحة ذلك، ووردت أحاديث كثيرة في منع ذلك تأمل في ذلك ولم يترجح عنده في ذلك الوقت أحد الأمرين فترك بياضاً بعد (في) ليكتب فيه ما يترجح عنده من ذلك، والظاهر أنه لم يدركه فبقي البياض بعده مستمراً فجاء الحميدي وقدر ذلك حيث قال: (يأتيها في الفرج)، نظراً إلى حال البخاري أنه لا يرى خلافه، ولو كان الحميدي علم من حال البخاري أنه يبيح الإتيان في إدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر (يأتيها في أي موضع شاء) كما صرح في رواية ابن جرير في نفس حديث عبدالصمد (يأتيها في دبرها)، ثم قال هذا القائل: (هذا الذي استعمله البخاري نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء، ولا بد له من نكتة يحسن سببها استعماله) قلت: ليت شعري من قال من أهل صناعة البديع أن حذف المجرور وذكر الجار وحده من أنواع البديع والاكتفاء إنما يكون في شيئين متضادين يذكر أحدها ويكتفي به عن الآخر كما في قوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل:81]، والتقدير والبرد أيضاً، ولم يبين أيضاً ما هو المحسن لذلك على أن جمهور النحاة لا يجوزون حذف المجرور إلا أن بعضهم قد جوز ذلك في ضرورة الشعر" انتهى.