وإنما اشترطت أن لا يطول هذه الثلاثة؛ لأنه إنما اغتفر تطويلها بالتسبيح الوارد فحيث لم يأت به امتنع التطويل، وصارت نافلة مطلقة بحالها لكنها لا تسمى صلاة تسبيح، فإن قلت: كيف ينوي صفة ثم يتركها؟ قلت: لا بعد في ذلك؛ لأن تلك الصفة كمال، وهو لا يلزم بنيته ألا ترى أن من نوى سجود السهو فسجد واحدة ثم طرأ له الاقتصار عليها جاز بخلاف ما لو نوى الاقتصار على سجدة ابتداء لنيته ما لا يجوز حينئذ ... " إلخ كلامه.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "الفضائل المرغب في تحصيلها، التي وردت الأحاديث بجملها وتفاصيلها، منها ما صحح الأئمة أسانيده ومتونه، ومنها الملحق بالصحيح احتجاجاً وإن كان دونه، ومنها غير ذلك من الأنواع. وشرها أخبار الوضاع التي لا يحل رواية الموضوع منها برفعه إلا مع النص على اختلافه أو البيان لوضعه، أما أخبار من ضعفوه انتقاداً إن جاءت في فضائل الأعمال تساهلوا فيها إسناداً.
وقد روي عن جم من السلف وجمع من الخلف فيما يروى عنهم وننقل منهم: ابن المبارك وابن مهدي وأحمد بن حنبل أنهم تساهلوا في رواية الحديث الضعيف الذي في إسناده مقال، إذا كان في الترغيب والترهيب والقصص والأمثال، والمواعظ وفضائل الأعمال. وكما تجوز رواية الحديث الضعيف الوارد في بعض هذه الأمور، كذلك يجوز العمل به عند الجمهور.
ومن أحاديث الترغيب في الثواب المروية من طرق في هذا الباب: حديث صلاة التسبيح المرغب في فعلها، لإحراز أجرها وفضلها. ولحديثها طرق مروية، غالبها غير قوية، وأمثلها حديث أبي الفضل العباس من رواية ابنه عبد الله بن العباس رضي الله تعالى عنهما".
وقال ابن الجزري في «النشر في القراءات العشر»: "وقد نصّ على استحباب صلاة التسبيح غير واحد من أئمة العلم كابن المبارك وغيره مع أن أكثر الحفاظ لا يثبتون حديثها، فقال القاضي حسين وصاحب التهذيب والتتمة والروياني في أواخر كتاب الجنائز من كتاب البحر: يستحب صلاة التسبيح للحديث الوارد، وذكرها أيضاً صاحب المنية في الفتاوى من الحنفية، وقال صدر القضاة في شرحه للجامع الصغير في مسألة (ويكره التكرار وعد الآي): وما روي من الأحاديث أن من قرأ في الصلاة الإخلاص كذا مرة ونحوه فلم يصححها الثقات، أما صلاة التسبيح، فقد أوردها الثقات، وهي صلاة مباركة، وفيها ثواب عظيم، ومنافع كثيرة، ورواها العباس، وابنه وعبدالله بن عمرو".
وقال الفقيه الحنفي ابن عابدين في «حاشيته»: "ووهم من زعم وضعه - أي حديث صلاة التسبيح- وفيها ثواب لا يتناهى، ومن ثم قال بعض المحققين لا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلا متهاون بالدين والطعن في ندبها بأن فيها تغييراً لنظم الصلاة إنما يتأتى على ضعف حديثها، فإذا ارتقى إلى درجة الحسن أثبتها".
قلت: يشير إلى ابن الجوزي وابن تيمية لقولهما أنها موضوعة، ويرد على النووي حيث قال بأن فيها تغييرا لنظم الصلاة.
وقال ابن طولون في «الترشيح لبيان صلاة التسبيح»: "فهذا تعليق سميته «الترشيح لبيان صلاة التسبيح»، سألني فيه العلامة شيخ الحنفية برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عون الشاغوري، أمتع الله بحياته، ونفع بعلومه وبركاته، لما وقف على صلاة التسبيح في «كتاب الغنية» لمولانا خاتمة المجتهدين نجم الحق والدين العزميني - تغمده الله برحمته وأسكنه دار جنته- حيث قال في باب النوافل: أما صلاة التسبيح فقد أوردها الثقات، وهي صلاة مباركة، فيها ثواب عظيم ونفع جسيم ... ".
وقال اللكنوي الهندي في «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»: "أَحْبَبْت أَن أذكر صَلَاة وَردت من فَضلهَا أَحَادِيث ثَابِتَة وولعت بذكرها طَائِفَة عالية وَهِي شَبيهَة بالصلوات الْمَوْضُوعَة، ومن ثُمَّ اشْتبهَ على بعض الْمُتَقَدِّمين فَظن أحاديثها مَوْضُوعَة، وَمِنْهُم ابن الجَوْزِيّ وابن تَيْمِية وقلدهما فِي عصرنا هذَا من قلدهما مِمَّن يظنّ أَن جملَة أَقْوَال ابن تَيْمِية كالوحي النَّازِل من السَّمَاء وإِن كَانَ رد عَلَيْهِ بالبراهين والبينات الساطعة جمعاً من الْعلمَاء ألا هي صَلَاة التَّسْبِيح الفائقة الراحجة على غيرهَا من التطوعات بِأَعْلَى تفوق وأثْنى تَرْجِيح".