40.13-35
﴿ هوالذي يريكم ﴾ آيات صفاته بتجلياته ﴿ وينزل لكم ﴾ من سماء الروح ﴿ رزقا ﴾ حقيقيا ما أعظمه وهو العلم الذي يحيا به القلب ويتقوى ﴿ وما يتذكر ﴾ أحواله السابقة بذلك الرزق ﴿ إلا من ينيب ﴾ إليه بالتجرد وقطع النظر عن الغير فأنيبوا إليه لتتذكروا بتخصيص العبادة به وإخلاص الدين عن شوب الغيرية وتجريد الفطرة عن النشأة ولو أنكر المحجوبون وكرهوا.
﴿ رفيع الدرجات ﴾ أي: رفيع درجات غيوبه ومصاعد سمواته من المقامات التي يعرج فيها السالكون إليه ﴿ ذو العرش ﴾ أي: المقام الأرفع المالك للأشياء كلها ﴿ يلقي الروح ﴾ أي: الوحي والعلم اللدني الذي تحيا به القلوب الميتة ﴿ من ﴾ عالم ﴿ أمره على من يشاء من عباده ﴾ الخاصة به أهل العناية الأزلية ﴿ لينذر يوم ﴾ القيامة الكبرى الذي يتلاقى فيه العبد والرب بفنائه فيه أو العباد في عين الجمع.
﴿ يوم هم بارزون ﴾ عن حجاب الأنيات أو غواشي الأبدان ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ مما ستروا من أعمالهم واستخفوا بها من الناس توهما أنه لا يطلع عليهم لظهورها في صحائفهم وبروزها من الكمون إلى الظهور، كما قال:
أحصاه الله ونسوه
[المجادلة، الآية:6]، وقالوا:
مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
[الكهف، الآية:49]، ولا يخفى عليه منهم شيء لبروزهم عن حجب الاوصاف إلى عين الذات.
﴿ لمن الملك اليوم ﴾ ينادي به الحق سبحانه عند فناء الكل في عين الجمع فيجيب هو وحده ﴿ لله الواحد ﴾ الذي لا شيء سواه ﴿ القهار ﴾ الذي أفنى الكل بقهره ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لوقوعه دفعة باقتضاء سيئاتهم المكتوبة في صحائف نفوسهم تبعاتها وحسناتها ثمراتها ﴿ وأنذرهم يوم الأزفة ﴾ أي: الواقعة القريبة وهي القيامة الصغرى ﴿ إذ القلوب لدى الحناجر ﴾ لشدة الخوف.
﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ كقوله:
إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب
[غافر، الآية:28] أي: الإضلال والخذلان كل واحد منهما مرتب على الرذيلتين العلمية والعملية. فإن الكذب والارتياب كلاهما من باب رذيلة القوة النطقية لعدم اليقين والصدق والإسراف عن رذيلة القوتين الأخريين والإفراط في أعمالها.