17.45-69
﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ لقصور نظرهم عن إدراك الروحانيات وقصر هممهم على الجسمانيات ﴿ حجابا مستورا ﴾ من الجهل وعمى القلب فلا يرون حقيقة القارئ ولا آمنوا وإنما لا يبصرونك لأنهم لا يحسبونك إلا هذه الصورة البشرية لكونهم بدنيين منغمسين في بحر الهيولى محجوبين بالغواشي الطبيعية وملابس الصفات النفسانية عن الحق وصفاته وأفعاله إذ لو عرفوا الحق لعرفوك ولو عرفوا صفاته لعرفوا كلامه، ولم يكن على قلوبهم أكنة من الغشاوات الطبيعية والهيئات البدنية ﴿ أن يفقهوه ﴾ ولو عرفوا أفعاله لعلموا القراءة ولم يكن ﴿ في آذانهم ﴾ وقر لرسوخ أوساخ التعلقات ﴿ ولوا على أدبارهم نفورا ﴾ لتشتت أهوائهم وتفرق هممهم في عبادة متعبداتهم من أصنام الجسمانيات والشهوات، فلا يناسب بواطنهم معنى الوحدة لتألفها بالكثرة واحتجابها بها.
﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ﴾ أي: تتعلق إرادته ببعثكم فتنبعثون في أقرب من طرفة عين حامدين له بحياتكم وعلمكم وقدرتكم وإرادتكم حمدا واصفين له بالكمال بإظهار هذه الكمالات ﴿ وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ﴾ أي: في القبور والمضاجع لذهولكم عن ذلك الزمان كما يجيء في قصة أصحاب (الكهف) أو في الحياة الأولى لاستقصاركم إياها بالنسبة إلى الحياة الآخرة فيتناول اللفظ القيامات الثلاث، إلا أن الآية السابقة ترجح الصغرى.
﴿ واستفزز ﴾ إلى آخره، تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام، لأن الاستعدادات متفاوتة فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه أي استخفه بصوته يكفيه وسوسة وهمس بل هاجسة ولمة، ومن كان قوي الاستعداد فإن أخلص استعداده عن شوائب الصفات النفسانية أو أخلصه الله تعالى عن شوائب الغيرية فليس له إلى إغوائه سبيل كما قال: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ وإلا فإن كان منغمسا في الشواغل الحسية غارزا رأسه في الأمور الدنيوية شاركه في أمواله وأولاده بأن يحرضه على إشراكهم بالله في المحبة بحبهم كحب الله ويسول له التمتع بهم والتكاثر والتفاخر بوجودهم ويمنيه الأماني الكاذبة ويزين عليه الآمال الفارغة وإن لم ينغمس فإن كان عالما بصيرا بتسويلاته أجلب عليه بخيله ورجله، أي: مكر به بأنواع الحيل وكاده بصنوف الفتن وأفتى له في تحصيل أنواع الحطام والملاذ بأنها من جملة مصالح المعاش وغره بالعلم وحمله على الإعجاب، وأمثال ذلك، حتى يصير ممن أضله الله على علم وإن لم يكن عالما بل عابدا متنسكا أغواه بالوعد والتمنية وغره بالطاعة والتزكية أيسر ما يكون ﴿ وكفى بربك وكيلا ﴾ أي: عبادي الخاصة لا يكلون أمرهم إلا إلى الله وحده لا إلى الشيطان ولا إلى غيره، وهو كافيهم بتدبير الأمور ولا يتوكلون إلا عليه بشهود أفعاله وصفاته.