11.118-119
﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ متساوية في الاستعداد متفقة على دين التوحيد ومقتضى الفطرة ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الوجهة والاستعداد ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ بهدايته إلى التوحيد وتوفيقه للكمال، فإنهم متفقون في المذهب والمقصد وموافقون في السيرة والطريقة، قبلتهم الحق، ودينهم التوحيد والمحبة ﴿ ولذلك ﴾ الاختلاف ﴿ خلقهم ﴾ ليستعد كل منهم لشأن وعمل، ويختار بطبعه أمرا وصنعة، ويستتب بهم نظام العالم، ويستقيم أمر المعاش، فهم محامل لأمر الله حمل عليهم حمول الأسباب والأرزاق وما يتعيش به الناس، ورتب بهم قوام الحياة الدنيا كما أن الفئة المرحومة مظاهر لكماله، أظهر الله بهم صفاته وأفعاله وجعلهم مستودع حكمه ومعارفه وأسراره. ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي: أحكمت وأبرمت وثبتت وهي هذه ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ لأن جهنم رتبة من مراتب الوجود لا يجوز في الحكمة تعطيلها وإبقاؤها في كتم العدم مع إمكانها.
11.120-123
﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ﴾ أي: لما أطلعناك على مقاساتهم الشدائد من أمتهم مع ثباتهم في مقام الاستقامة وعدم مزلتهم عنه وعلى معاتباتهم عند تلويناتهم وظهور شيء من بقياتهم كما في قصة نوح عليه السلام من سؤال إنجاء الولد، وعلى قوة ثباتهم وشجاعتهم في يقينهم وتوكلهم كما في قصة هود عليه السلام من قوله:
إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون
[هود، الآية: 54] إلى قوله:
على صراط مستقيم
[هود، الآية: 56]، وعلى كمال كرمهم وفضيلتهم في العتو كما في قصة لوط عليه السلام من تفدية البنات لحفظ الأضياف من السوء، ثبت قلبك في ذلك كله واستحكمت استقامتك وقوي تمكينك بذهاب آثار التلوين عنك وقوي توكلك ورضاك ويقينك وشجاعتك، وكمل خلقك وكرمك ﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة ﴿ الحق ﴾ أي: ما يتحقق به اعتقاد المؤمنين ﴿ وموعظة ﴾ لهم يحترزون بها عما أهلك به الأمم، وتذكير لما يجب أن يتدينوا به ويجعلوه طريقهم وسيرتهم والله أعلم.