11.29-37
﴿ لا أسألكم عليه مالا ﴾ أي: الغرض عندكم من كل أمر محصور في حصول المعاش وأنا لا أطلب ذلك منكم فتنبهوا لغرضي وأنتم عقلاء بزعمكم ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ لأنهم أهل القربة والمنزلة عند الله فإن طردتهم كنت عدو الله مناويا لأوليائه لست بنبي حينئذ ﴿ ولكني أراكم قوما تجهلون ﴾ ما يصلح به المرء للقاء الله ولا تعرفون الله ولا لقاءه لذهاب عقولكم في الدنيا أو تسفهون تؤذون المؤمنين بسفهكم.
﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ الذي هو القاهر فوق عباده ﴿ إن طردتهم ﴾ واستوجبت قهره بطردهم ﴿ أفلا تذكرون ﴾ مقتضيات الفطرة الإنسانية فتنزجرون عما تقولون ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ أي: أنا أدعي الفضل بالنبوة لا بالغنى وكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك ﴿ ولا أقول ﴾ للفقراء المؤمنين الذين تستحقرونهم وتنظرون إليهم بعين الحقارة ﴿ لن يؤتيهم الله خيرا ﴾ كما تقولون، إذ الخير عندي ما عند الله لا المال ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ من الخير مني ومنكم وهو أعرف بقدرهم وخطرهم وما يعلم أحد قدر خيرهم لعظمه ﴿ إني إذا ﴾ أي: إذ نفيت الخير عنهم أو طردتهم ﴿ لمن الظالمين ﴾.
11.38-40
﴿ ويصنع الفلك ﴾ إلى آخره، تفسيره على ما دل عليه الظاهر حق يجب الإيمان به وصدق لا بد من تصديقه كما جاء في التواريخ من بيان قصة الطوفان وزمانه وكيفيته وكميته. وأما التأويل فمحتمل بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو ومن آمن معه من قومه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
" مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق "
والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم يتجرد عنها بمتابعة نبي وتزكية نفس كما جاء في كلام إدريس النبي عليه السلام ومخاطباته لنفسه ما معناه: إن هذه الدنيا بحر مملوء ماء فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت، فعلى هذا يكون معنى ويصنع الفلك يتخذ شريعة من ألواح الأعمال الصالحة ودسر العلوم التي تنظم بها الأعمال وتحكم.
﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ كما ترى من عادة الشطار وذوي الخلاعة المشتهرين بالإباحة يستهزئون بالمتشرعين والمتقيدين بقيودها ﴿ قال إن تسخروا منا ﴾ بجهلكم ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ عند ظهور وخامة عاقبة كفركم واحتجابكم ﴿ كما تسخرون فسوف تعلمون ﴾ عند ذلك ﴿ من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا من هلاك وموت أو مرض وضر أو شدة وفقر، كيف يضطرب ويتحسر على مايفوت منه ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ دائم في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان وهيئات الرذائل المظلمة والخسران.
﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ بإهلاك أمتك ﴿ وفار ﴾ تنور البدن باستيلاء الأخلاط الفاسدة والرطوبات الفضلية على الحرارة الغريزية وقوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية أو أمرنا بإهلاككم المعنوي وفار التنور باستيلاء ماء هوى الطبيعة على القلب وإغراقه في بحر الهيولى الجسماني ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ أي: من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما النوعية والصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص. ومعنى حملهما فيها: علمه ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية، فإن علمه جزء من سفينته الحاوية للكل لتركبها من العلم والعمل، فمعلوميتهما محموليتهما وعالميته بهما حامليته إياهما فيها ﴿ وأهلك ﴾ ومن يتصل بك في دينك وسيرتك من أقاربك ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ أي: الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره ﴿ ومن آمن ﴾ بالله من أمتك.