تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[التوبة: 34-35]. والعاقل من خفف حمله يوم تثقل الأحمال على أصحابها، فلا يحملها عنهم أحد، ومن أراد أن يخفف عن نفسه فلا أقل من أن يعطي الزائد عن حاجته لمن يستحق. كلمة ﴿ فمنكم من يبخل.. ﴾ [محمد: 38] البخل هو قبض اليد عن الإنفاق، وهو عملية حركية تنشأ نتيجة مواجيد راسخة في النفس الإنسانية هي مشاعر الشح التي تدعو صاحبها لعدم الإنفاق. لذلك قال تعالى:

ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

[الحشر: 9] أي: يتغلب على هذه الطبيعة فيه، ويكبت جماح نفسه حتى تطاوعه فينفق. ثم يبين الحق سبحانه عاقبة البخل: ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه.. ﴾ [محمد: 38] يعني: بخله ناشىء من شح نفسه، أو يبخل عن نفسه يحرمها ثواب الصدقة والإنفاق ويحرمها مضاعفة الأجر. إذن: قوله عن أعطتنا معنيين: إما بيان مصدر البخل وهو شح النفس، أو بيان عاقبة البخل، وهي حرمان النفس من الثواب لا حرمان أحد آخر. وقد فهم العلماء العارفون هذه المعنى، فالإمام علي رضي الله عنه لما سئل: أريد أن أعرف أنا من أهل الدنيا أم من أهل الأخرة، قال السائل: الجواب عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك شخص بهدية وآخر يطلب عطية، فلأيهما تبش وبأيهما تفرح؟ إن كنت تفرح بحامل الهدية فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تفرح بطالب العطية فأنت من أهل الآخرة. لذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه سائل يقف له ويرحب به ويقول: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. وقوله سبحانه: ﴿ والله الغني وأنتم الفقرآء.. ﴾ [محمد: 38] لأن اليهود قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، لأنه يقترض منا، فالله يرد عليهم بل الغنى لله، غني في ذاته عن خلقه، ويفيض من غناه فيغني الخلق بأن يزرع بينهم المودة والرحمة ويحببهم في النفقة، فلا يتكبر الغني بغناه، ولا يحقد الفقير على الغني بسبب فقره، فالكل راض يقول: الحمد لله، فكأن الغني كله مصدره الحق سبحانه وتعالى.

ثم يقول سبحانه: ﴿ وإن تتولوا.. ﴾ [محمد: 38] أي: تعرضوا وتمتنعوا عن الإنفاق الذي أمركم الله به، ولا تصدقوا ما وعدكم الله به من الزيادة، فاعلموا أن الله لن يترك الضعيف والفقير والعاجز عن الكسب، إنما سيستبدلكم بمن هو خير منكم فيستجيبوا لأمر الله وينفقوا على خلق الله. ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ [محمد: 38] لا يكونوا أمثالكم في البخل والشح وقبض اليد عن العطاء، لأنك عبدي وموظف عندي، فإن خالفتني آتي بغيرك يكون أفضل منك، فإذا لم تجد الخير في قوم ستجده في آخرين، وإذا لم تجده في بلد ستجده في بلد أخرى. ومعلوم أنه لما انتشر الإسلام في المشارق والمغارب كثر أهل الجود في شتى بلاد الإسلام، ولهم في جودهم قصص وحكايات.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٤٤