تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أوقد فإن الليل ليل قر

والريح يا غلام ريح صر

عل يرى نارك من يمر

إن جلبت ضيفا فأنت حر

ويروى أنه جلس جماعة من القوم في ساحة مكة يتحدثون عن أجود أهل زمانهم، واختلفوا في ذلك، واحد قال: أجودهم سعيد بن سعد بن عبادة.

وآخر قال: بل عبد الله بن جعفر. وآخر قال: عرابة الأوسي في المدينة أجود منهما. وكادوا يقتتلون، فقال رجل عاقل منهم: ابعثوا إلى كل واحد من هؤلاء رجلا يدخل عليه على أنه عابر سبيل وله حاجة، وانظروا كيف يقابله. فبعثوا رجلا إلى عبد الله بن جعفر، فوجده يركب للصيد، وقد وضع رجلا في الركاب والأخرى على الأرض، فقال له: يا ابن بنت رسول الله، عابر سبيل وطالب حاجة فأنزل رجله من الركاب، وقال له: اركب وهذه حقيبة فيها أربعة آلاف دينار وفيها كسوة كذا وكذا، وفيها سيف علي بن أبي طالب فاحرص عليه. وذهب آخر لسعيد بن سعد بن عبادة وطرق الباب فردت الخادمة: من؟ قال: عابر سبيل، وطالب حاجة. فقالت: إن صاحب البيت نائم، فماذا تريد؟ فقال: طالب حاجة، فقالت: حاجتك أهون من أن أوقظه، والله ما عنده إلا سبعمائة دينار خذها واذهب إلى معاقل الإبل، واختر لك راحلة وخادما يخدمها، فلما استيقظ سعيد قالت له: حدث كذا وكذا، فقال: أفعلت ذلك؟ قالت: نعم، قال: فأنت حرة. ثم تلاحظ أن الأمر بالنفقة هنا لمن؟ للذين آمنوا خاصة الذين ناداهم:

يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول..

[محمد: 33] ذلك لشرف الإنفاق ومنزلة وثوابه المضاعف يريد ألا يحرم المؤمن نفسه من هذا الخير. حتى كلمة نفقة مأخوذة من سوق نافقة. يعني: رائجة رابحة لأنها تجارة مع الله، فلا تظن أنها تجارة كاسدة خاسرة، نعم سوق أقامها الحق سبحانه بين عباده لحكمة أرادها، فجعل منهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، واختبر كلا منهما بالآخر ليحدث هذه الحركة التكاملية في مجتمع الإيمان. لذلك قلنا: إن الله تعالى يريد من المؤمن أن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، لأنه لو عمل على قدر حاجته وحاجة من يعول لن يبقى شيء للضعيف الذي لا يقدر على العمل، ثم إن الأيام دول، وقد يصير القوي إلى حال الضعف فيحتاج، أو يصير الغني إلى حال الفقر، عندها يجد من يعطيه، والإنسان ابن أغيار. إذن: نستطيع أن نقول: إن الإنفاق الذي أمرنا الله به يمثل التأمين لمستقبل المؤمن، فلا يخاف على نفسه ولا على أولاده من بعده إن ألجأته الظروف إلى الحاجة، ويكون على ثقة بأن المجتمع المؤمن سيمد له يد العون. والعجيب في أمر النفقة أن الحق سبحانه لم يعف منها أحدا، فمن لا يقدر على نفقة المال تلزمه نفقة المقال، اقرأ قول الله تعلى:

ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم

[التوبة: 91]. فمن كان واجدا وبخل على غير الواجد أن ينصحه وأن يوقظ غفلته، فإذا لم يفعل كان آثما، فإذا لم يكن لديه هذا ولا ذاك، شرحها الحق سبحانه في قوله:

ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه..

[التوبة: 92] ماذا يصنعون؟

تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون

[التوبة: 92]. فهذا الذي لا يملك شيئا إلا البكاء والعواطف الجياشة التي تعبر عن شوقه إلى الإنفاق ورغبته فيه، لكنه لا يملك فيكفيه هذه العواطف، وتحسب له الأعمال بالنيات، وقد يشجعه هذا الموقف على أن يسعى ليفعل شيئا ليعطي أي شيء. وليحذر الغني أن يكون فتنة للفقير حين يمنعه حقه فيتذمر ويعترض على قضاء الله الذي حكم عليه بالفقر وعلى غيره بالغنى، لا تجمع عليه الفقر وعدم الرضا بالقضاء. واقرأ:

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٤٣